مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

أدب الرحلة في روايات جان-ماري غوستاف لو كليزيو ... بقلم يوسف أسونا

2026-07-26 09:58 PM  - 
أدب الرحلة في روايات جان-ماري غوستاف لو كليزيو ... بقلم   يوسف أسونا
المبدع يوسف أسونا

تقديم

كان ادب الرحلة في التراث العربي فعل معرفة وتوثيق. من ابن بطوطة الى ابن جبير، كانت الرحلة وسيلة لفهم العالم ومقارنته.

اما في الادب الحديث، وعند جان-ماري غوستاف لو كليزيو J.M.G Le Clézio الحائز على جائزة نوبل 2008، فقد تغيرت وظيفة الرحلة.

لم تعد الرحلة عنده فعل استهلاك للمكان، بل صارت فعل احترام وتأمل. لم تعد الغاية هي الوصول، بل ما يحدث للمسافر اثناء العبور.

في هذه الورقة نقرأ اربع محطات اساسية من تجربته الروائية: الصحراء Désert 1980، الباحث عن الذهب Le Chercheur d'or 1985، اونيتشا Onitsha 1992، و رحلة الى رودريغز Voyage à Rodrigues 1986.

اولا: من الرحلة الاستكشافية الى الرحلة الاخلاقية

يقوم ادب الرحلة التقليدي على ثلاثية: المغادرة، المشاهدة، العودة. ويكون الراوي هو مركز السرد.

اما عند لو كليزيو فان الامر ينقلب. يصبح المكان هو المركز، ويصبح على المسافر ان يتعلم اداب الدخول اليه.

وصف الناقد ميشيل بوتور رواياته بانها "روايات عبور" Romans de passage. والعبور هنا مزدوج: عبور جغرافي من الشمال الى الجنوب، ومن المدينة الى الصحراء والجزيرة، وعبور داخلي من الانسان المستهلك الى الانسان البسيط.

وبهذا يؤس لو كليزيو لادب رحلة اخلاقي يقوم على اربع ركائز: التخفف، الاصغاء، التواضع، والاندماج.

ثانيا: تجليات اداب الرحلة في رواياته

  1. ادب التخفف: الرحلة كزهد اختياري.

من ابرز سمات ابطال لو كليزيو ابتعادهم عن متاع الحضارة.

في الباحث عن الذهب يغادر اليكس فرنسا في اواخر القرن 19 ويذهب الى موريشيوس بحثا عن كنز قرصان. لكن الرواية تكشف تدريجيا ان "الذهب" ليس غاية. الكنز الحقيقي هو الوقت، والبحر، والعلاقة مع الطبيعة.

يقول في احدى اللحظات: "لقد فهمت ان الغنى ليس في ان تملك، بل في ان تحتاج الى القليل".

وفي الصحراء يقدم لنا عالم الطوارق كنموذج لحياة بسيطة. يمشون بلا خرائط، وينامون تحت النجوم، ويقاومون بتمسكهم بطريقة عيشهم.

هنا يتقاطع لو كليزيو مع روح الزهد في التراث العربي. فكما كان التجرد طريقا للمعرفة، يصبح التخفف المادي شرطا لصفاء الرؤية. المسافر المثقل لا ينتبه الى ما حوله.

  1. ادب الاصغاء: الانفتاح على الاخر.

يشكل لو كليزيو قطيعة مع ادب الرحلة الذي كان ينظر الى "الاخر" نظرة فوقية.

اما هو فيذهب لكي يصغي.

في اونيتشا نتابع طفلا فرنسيا اسمه فابريس انتقل مع امه الى نيجيريا عام 1948. اختيار الطفل كراوٍ مقصود. لانه لم يتشكل بعد بالاحكام الجاهزة. يندهش ويسأل ويتعلم.

وفي رحلة الى رودريغز وهو نص سيرة ذاتية autobiographie، يقضي الكاتب ثمانية اشهر في جزيرة في المحيط الهندي. لا يقدم تقريرا عنها، بل يعيشها. يتعلم من الصيادين، ويكتب عن ايقاع الحياة اليومية.

القاعدة الثانية هنا: ان تضع جانبا تصوراتك المسبقة عند باب المكان. وان تعترف بانك المتعلم، وان اهل المكان هم المعلمون.

  1. ادب الطبيعة: علاقة احترام مع المكان

الطبيعة عند لو كليزيو ليست خلفية. هي فاعل واساسي في السرد.

البحر في الباحث عن الذهب يعلم اليكس الصبر. والصحراء في الصحراء تمنح نور قوة داخلية.

ومن هذا تنبثق القاعدة الثالثة: احترام ايقاع المكان. عدم استعجاله، وعدم فرض منطق المدينة عليه.

هذه الرؤية قريبة من الادب البيئي ecocritique، لكنها عند لو كليزيو تقوم على فكرة ان الانسان جزء من الطبيعة وليس مالكا لها. ومن هنا موقفه من السياحة الاستهلاكية والتاثير على البيئة.

  1. ادب البحث عن الاصل: الرحلة كعودة

كل رحلات لو كليزيو هي رحلات بحث. بحث عن اصل عائلي في اونيتشا، وبحث عن اصل تاريخي في الصحراء، وبحث عن معنى في الباحث عن الذهب.

لكن النهايات لا تكون باكتشاف جغرافي. بل بادراك داخلي.

في نهاية الباحث عن الذهب لا يجد اليكس الكنز، لكنه يجد معنى لحياته. وفي نهاية الصحراء تحتفظ نور بذاكرتها وهويتها.

اذن الغاية من الرحلة ليست تغيير الخريطة، بل ان تغيرك الخريطة.

ثالثا: لو كليزيو والتراث العربي للرحلة - تقاطعات واختلافات

من المفيد مقارنة مشروع لو كليزيو بمشروع الرحالة العرب.

نتفق في:

  1. التواضع المعرفي: كما كان ابن بطوطة يستفسر عن عادات اهل كل بلد قبل الكتابة عنها.
  2. الدهشة: وهي الدافع الاول للكتابة عند الطرفين.
  3. التدوين: الرحلة لا تكتمل الا بالكتابة.

ونختلف في:

  1. الغاية: كان الرحالة العرب يكتبون لخدمة المعرفة والدولة. اما لو كليزيو فيكتب بحثا عن معنى شخصي.
  2. الاسلوب: كتب الرحالة العرب بلغة تقريرية. ويكتب لو كليزيو بلغة شاعرية تهدف الى تحريك وجدان القارئ.

خاتمة:

مايهمني في هذه الورقة المتواضعة هو دعوة لاعادة النظر في علاقتنا مع العالم.

ويمكن تلخيصها في ثلاث: تخف حتى ترى، واصمت حتى تسمع، واترك مساحة ليظهر الاخر.

لقد نجح لو كليزيو في ان يجعل من الرواية دليل سفر من نوع جديد. ليس دليل اماكن، بل دليل سلوك. دليل لمن اراد ان يسافر لا ليستهلك البلاد، بل ليتعلم منها.

  1. المراجع

    - Le Clézio, J.M.G. Désert. Gallimard, 1980.

    - Le Clézio, J.M.G. Le Chercheur d'or. Gallimard, 1985.

    - Le Clézio, J.M.G. Onitsha. Gallimard, 1992.

 

 

مساحة إعلانية