مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

أ.د. منير فوزي رئيس اتحاد كتاب المنيا في حوار شامل

2026-09-25 12:14 AM  - 
أ.د. منير فوزي رئيس اتحاد كتاب المنيا في حوار شامل
حوارات
إعلان بنك saib

حاوره: مصطفى علي عمار


ابن الجميزة الذي حج 3 مرات واعتمر 76.. حوار مع الشاعر الذي رأسه قسم البلاغة وقلبه ديوان شعر

أستاذ البلاغة الذي كشف عورة المشهد الثقافي: قصور الثقافة تدمر الإبداع والمجاملات تحكم الجوائز.


ليس كل أساتذة البلاغة شعراء، وليس كل الشعراء قادرين على تفكيك البلاغة، لكن أن تجتمع الحسنيان في رجل واحد، وأن يكون هذا الرجل ابن المنيا التي أنجبت طه حسين، فأنت أمام حالة استثنائية تستحق أن تتوقف عندها.
من شارع الجيش بالمنيا إلى قاعات جامعتي الملك فيصل والجوف حيث قضى 23 عاماً متغرباً، ومن حفظ ديوان "تعليق على ما حدث" لأمل دنقل في الثانوية عن ظهر قلب، إلى أن يكتب عنه رسالة الماجستير عن "صورة الدم"، ثم يهرب من تشريح الشعر إلى سعة الرواية فيكتب عن "صورة الطفل" عقب هزيمة 67.
هو الشاعر صاحب الثمانية دواوين، والناقد الذي أشرف على 17 رسالة دكتوراه جلها بمرتبة الشرف الأولى، ورئيس قسم البلاغة، ووكيل الكلية، والقائم بعمل العميد، ورئيس اتحاد كتاب المنيا الذي كان يوزع "الجاتوه والكانز" في اجتماعاته حباً لا سلطة.
في هذا الحوار، لا يتحدث الدكتور منير عبد المجيد فوزي أبو الحمد - أستاذ البلاغة والنقد والأدب المقارن بدار علوم المنيا - عن سيرته فقط، بل يفتح صندوقاً أسود: عن غربة لقمة العيش، وعن أستاذ يرأسه أستاذ مساعد، وعن اتحاد كتاب منقسم، ومجلس أعلى للثقافة قابع على أنفاس الثقافة منذ 20 عاماً، وهيئة قصور ثقافة يصفها بأنها "أكثر شيء دمر ويدمر حياتنا الثقافية".

عرف نفسك في سطر؟
شاعر يكتب الشعر كما يعانيه، وأكاديمي يرى أن الأكاديمية لا تفسد الموهبة.

بدأتم ليسانس الآداب بجامعة المنيا عام 1985 بتقدير جيد جداً، وختم الدكتوراه بعد تسع سنوات بمرتبة الشرف الأولى، فما الذي حدث في هذه المسافة حوّلكم من طالب متفوق إلى باحث استثنائي، ولماذا جذبكم منذ البداية أقسى موضوعين في وجداننا: صورة الدم في شعر أمل دنقل وصورة الطفل في الرواية المصرية؟  
- في الأصل تم قبول تنسيقي بكلية دار العلوم بالقاهرة، كان ذلك في عام 1981م غير أن والدتي- يرحمها الله ويغفر لها- لم ترتح لفكرة أن أكون بعيدًا عنها، فدعتني لأن أقدم طلبًا لتحويلي من كلية دار العلوم بالقاهرة إلى لكلية الآداب بجامعة المنيا، وكان ذلك مسموحًا به فتم قبول الطلب في عهد العميد الرائع الدكتور أحمد هيكل.
محبتي للعربية بلا حدود، ربما ورثتها عن أبي الذي كان أزهريًا حافظًا للقرآن وأيضًا كان شاعرًا كبيرًا يرحمه الله، وكنت خلال المرحلتين الإعدادية والثانوية يتم اختياري ضمن أوائل الطلبة ربما لبراعتي بالدرجة الأولى في إجادة اللغة العربية والنحو بشكل خاص. وأذكر أنني حينما كنت في الصف الأول الثانوي وقع في يدي ديوان أعطاه لي صديق لي جلبه من العراق وكان عنوانه (تعليق على ما حدث)، للشاعر المصري محيّر الاسم: أمل دنقل، ومن فرط إعجابي بشعر هذا الديوان فقد حفظت قصائده كلها عن ظهر قلب، وقررت من وقتها أنني سأعد رسالة ماستر في شعر أمل إذا التحقت بكلية الآداب أو دار العلوم، ويكون موضوعها (النزعة التشاؤمية في شعر أمل دنقل)، وفعلاً بعد تخرجي في كلية الآداب سجلت الماستر في شعر أمل دنقل مع تغيير عنوان الرسالة وكان ذلك بعد قراءات عميقة مستفيضة، وتم الأمر عام 1987م فكان موضوع الرسالة (صورة الدم في شعر أمل دنقل: مصادرها – قضاياها- ملامحها الفنية) بإشراف أستاذي العالم الكبير الراحل الدكتور عبد الحميد إبراهيم.
وقد مكثت في تحضير الرسالة حتى مناقشتها ثلاث سنوات وسبعة أشهر، وقدمت فيها رؤيتي لعالم أمل دنقل الشعري من خلال أبعاد ورمزية (صورة الدم) عنده، فهو ابن الصعيد حيث ملاحم الثأر، منذ أن نأت جدتنا إيزيس بابنها حورس إلى جزيرة فيلة بعيدًا عن أعين رجالات عمه ست وحراسه، وهناك كانت تعلمه بنفسها وتلقنه كيفية مواجهة عمه والأخذ بثأر أبيه، وأهمية استرداد عرشه، وهو الأمر الذي ما زالت كل حكومات مصر عاجزة عن حله وهو الثأر الذي تسيل له أنهار الدماء في الصعيد، ناهيك عن أن تفتح وعي أمل كان على هزيمة السابع والستين، فكانت أنهار دماء أخرى لجنودنا المستشهدين غيلة كما قتل أوزوريس على يد أخيه، وكانت الدعوة إلى مزيد من الدماء حتى تُسترَد الأرض السليبة ويعود الحق لأصحابه فكانت دعوة أمل (لا تصالح على الدم.. حتى بدم).
 ولفرط حبي للشعر فقد قررت ألا أستمر في تناول موضوعاته في الدكتوراه، شعرت أن النقد وأدواته التشريحية الإجرائية تفسد أحيانًا جمال الشعر وبراعة الصورة الفنية، وحرصًا على نقاء تصوري لقداسة الشعر فقد قدمت على التسجيل في الرواية، وكان الموضوع (صورة الطفل في الرواية المصرية (1967-1990م) وقد وجدته موضوعًا بالغ الأهمية لدى معظم الروائيين المصريين، وقدمت توضيحات لأسباب شيوع هذه الظاهرة وانتشارها في ثلاثة أسباب رئيسة هي:
1- هزيمة عام 1967م، حيث مثلت هذه الهزيمة صدمة عنيفة لوجدان المواطن العربي عامة، والمواطن المصري خاصة، الذي استجاب لتغرير وسائل الإعلام به، واقتنع بأن لديه سلطة سياسية قوية، وجيشًا مدربًا، وجاءت الهزيمة لتكشف تهافت الجيش، وتعرّي زيف السلطة السياسية، فكان وقْع ذلك عليه مريرًا، وعلى المبدعين والمثقفين أشد مرارة؛ فحاول الأدباء والروائيون مواجهة آثار الهزيمة إبداعيًا من خلال الخيارات التي طرحوها على أبطالهم، وتمثلت أشكال الهروب من آثار الهزيمة في الاستغراق في أي من:
أ‌- الجنس                      ب- الدين                   ج- المخدرات (مغيبات الوعي)
ثم اكتشف الروائيون – بعد ذلك- شكلاً رابعًا وهو (العودة إلى الطفولة)، وأصبح اختيارهم لهذا الشكل رمزًا لرفض الواقع المعيش، وهروبًا من أزمات هذا الواقع الذي يمثل حاضرهم إلى طفولتهم البريئة، فصارت تعبيرًا عن الرغبة في التقوقع أو الالتفاف حول الذات المتأزمة.
2- اكتشاف الروائيين لمدى ثراء الدلالات الفنية والتشكيلات الجمالية المرتبطة بصورة الطفل في الأدب الروائي بأطره الجمالية المختلفة.
3- تطور الدراسات الحديثة للطفولة، التي تؤكد على أنها المؤثر الأول والأساس في بناء الشخصية، وأن أشكال الصراعات النفسية كافة، وتشكلات الوجدان، مرتبطة بالطفولة ارتباطًا مباشرًا.   

لكم ثمانية دواوين شعرية نالت الجوائز ومصنفات راسخة في البلاغة والنقد، فحين تمسكون بالقلم أيكما يسبق الآخر: الشاعر الذي يكتب بوجدانه أم الناقد الذي يحلل وهو يكتب، وما شعوركم وأنتم تقرؤون رسالة ماجستير كاملة كُتبت عن شعركم كما يُحلل أمل دنقل؟
- الشعر هو مفتتح كل خطيئة ووجع، به أبدأ وعليه أسير، خطيئة ليست كخطيئة آدم، خطيئة محببة أفخر بها وأزهو، ولا أستطيع أبدًا الفكاك منها ومن إسارها. 
حتى عندما أتهيأ للكتابة النقدية، أقبل عليها بروح الشعر والشاعر، حتى لو كانت دراستي في مجال الرواية، تخيل أنني في أحد نصوص نجيب محفوظ وهو روايته (حكايات حارتنا) تعاملت مع النص بمعطيات الشعر وطبقت عليه قواعده، وكانت الفكرة مجنونة، لكنني استطعت أن أصل لنتائج ما كان لي أن أصل إليها لو لم أستخدم معطيات الشعر وعلى رأسها البنية الإيقاعية والخيال الجامح.
- وضعت حول شعري رسالتان حتى الآن، أولاهما ماجستير وتناولت شعري في ضوء الدراسة الفنية وكانت صاحبتها باحثة في أحد أقسام الدراسات الأدبية، وللحق فقد بذلت فيها جهدًا كبيرًا، والثانية كانت رسالة دكتوراه قام بها باحث جاد وتمت مناقشتها بكلية الآداب جامعة أسوان وتناولت موضوع (السرد والرؤية الفنية في شعر منير فوزي)، وكانت أكثر نضجًا واتسمت التحليلات بالموضوعية والجرأة، ربما بفضل لجنة الإشراف هناك. أشهدك أنني ساعدت الباحثين وقدمت لهما كل ما كتب عني لإضافة إلى دواويني الثمانية، لكنني لم أتدخل قط في أي طرح طرحاه، ولم أنبه على أحد بأن يتناول شعري من زاوية بعينها. أحترم الباحثين والمشرفين ولا أتدخل في تصوراتهم حتى لو خالفت معتقدي.
- أما عن المقالات والدراسات العلمية المحكمة التي قامت حول شعري فهي كثيرة جدًا، داخل الجامعات المصرية وخارجها، وكان من حظي كذلك أن بعض المجلات مثل مجلة الشعر المصرية قد خصصت ملفًا لشعري في العدد (156) بعنوان منير فوزي شاعر الوجدان، شارك فيه عدد كبير من كبار النقاد المصريين.
قضيتم ثلاثة وعشرين عاماً في التدريس بجامعتي الملك فيصل والجوف بالمملكة، فماذا اكتشفتم أنكم نسيتموه عن مصر وأنتم بعيدون، وماذا علمتكم البلاغة هناك ولم تكن لتعلمكم إياه المنيا؟  
أنا مثل سنوهي، ابن الجميزة، تلك الشجرة المتأصلة جذورها في أعماق الأرض، لا يمكن أن يغيب عني وطني أبدًا، أنا متجذر بوطني مثل تجذر الجميزة بالأرض، هو ماثل في دنياي: كل أوقاتي ومشاعري، وأنا أدرس للطلاب هناك كنت أستحضر مصر وكبار نقادها وأساتذتها، طه حسين والعقاد والمازني وشكري ومندور وغنيمي هلال وجابر عصفور وعبد المحسن طه بدر وحامد النساج وسيد البحراوي وغيرهم، وكنت أقارن بين ما أعطيه لهم من قشور وما ندرسه لطلابنا في مصر من معارف كبيرة، فالعلم في مصر حقيقة غير قابلة للدحض. نعم قد أكون وجدت طالبتين أو أكثر قليلا متميزات، والبنات هناك أفضل من الأولاد، لكن الأمر في مصر جد مختلف.
ربما أشد الأشياء معاناة أن تتغرب عن وطنك من أجل لقمة العيش، في بلادنا لنا كرامتنا، ولنا هيبتنا، هناك ليس الأمر كذلك، لا أقول إنهم لم يحترمونا لكن كانت البداوة في أعماقهم، وحين كانت تظهر كنت أحزن وأقول ما الذي أتى بنا إلى هنا، لا سامح الله من أخرجنا.
أسوأ شيء أن تجد من يرأسك في درجة مدرس، يسمونها عندهم (أستاذ مساعد) وتجد هذا الأستاذ المساعد وكيلا لك وعميدًا ورئيس قسم، تخيل أن تكون أستاذا ويرأسك محاضر أو مدرس (أستاذ مساعد).
لكن حتى لا أكون جاحدًا لفضل هؤلاء الناس فقد أعطوني الكثير والكثير الذي لو بقيت في بلدي سنوات طوالاً ما نلته، يكفيني أنني حججت ثلاث مرات واعتمرت ما يقارب ستا وسبعين مرة، وهذا من فضل الله، ويكفي وحده لأن أشكر المملكة وأهلها على هذه النعمة وهذا الفضل العظيم.
ربما كان أكثر ما تعلمته أن الغربة قاسية جدًا وجالبة لكل الأمراض، وأن المال وحده ليس قادرًا على حل كل مشكلة.
ترأستم قسم البلاغة والنقد خمس سنوات، وتوليتم وكالة الكلية لشؤون التعليم والطلاب مرتين، وكنتم قائماً بأعمال العميد، فهل كانت المسؤولية الإدارية تحمي الشاعر فيكم أم تسرق منه وقت القصيدة، ومتى شعرتم أن الاجتماع يغتال البيت الشعري؟  
ليس أثقل على القلب من العمل الإداري لأنك مهما فعلت فأنت كجحا وابنه وحماره، لن ترضى عنك جميع الناس، لكني أشهدك أنني كنت أحب الإدارة وأنني استطعت أن أجعل من قسمي منارة كبرى للعلم وأن أستجلب لأبناء القسم من المعاونين وطلاب الماجيستير والدكتوراه أنبغ علماء مصر، وأن أجعلهم يشرفون على طلابنا، لتتحقق الفائدة الكبرى لهم، لم أكن لأستحوذ على أي طالب بمفردي في الإشراف وكان هذا بمقدوري، بل إنني كنت أتنازل لهم عن الإشراف على بعض الرسائل، كنت حريصًا على أن أبني القسم بعلم أساتذة كبار أمثال الدكتور محمد زغلول سلام والدكتور فوزي سعد عيسى والدكتور سيد البحراوي والدكتور أحمد درويش والدكتور سعد أبو الرضا وغيرهم كثير، كنت أطلب منهم بالمحبة أن يشرفوا على طلاب القسم وكانوا لأجلي يقبلون، لكن للأسف جاء من خلفني واستحوذ على كل شيء ولغى إشراف كل هؤلاء العظماء ليبقى هو وحده المشرف!
سأسر لك بشيء: الإبداع حين يأتي لا يقفه شيء، لا منصب إداري ولا انشغال، عندما كنت وكيلا لشئون التعليم والطلاب وهو منصب مرهق للغاية، كان لدي ثمانية آلاف طالب لا يخلو واحد منهم من مشكلة، وكنت مطالبًا بحل جميع هذه المشاكل، ومع ذلك وعلى الرغم من شدة الانشغال فقد كتبت ديوانًا انتهيت منه في ثلاثة أشهر فقط، كانت التجربة تلح عليّ، وقد نجحت في التوفيق بين العمل وبين الإبداع الشعري.
كنت أرأس بحكم المنصب لجنة شئون التعليم والطلاب، وكانت تضم أكثر أعضاء هيئة التدريس بالكلية، لماذا؟ لأنني في كل اجتماع كنت أحضر لهم على حسابي لكل عضو في اللجنة قطعة جاتوه وكانزًا صاقعًا، وأظل هكذا طول العام في كل اجتماعات اللجنة على مدار خمس سنوات، لا أقطع هذه العادة إلا عند دخول شهر الصوم فقط، وقد نجحت بالاحترام والمحبة في أن أؤسس لأشياء كثيرة مختصة بمنصب الوكيل وكنت حريصًا على راحة أعضاء هيئة التدريس فترة الاختبارات أحقق لهم ما يرجونه وأكثر، خصوصًا من يقيمون في القاهرة والإسكندرية وليسوا من المنيا دون استخدام لسلطة المنصب ودون ترهيب، وما أحلت أحدًا قط للتحقيق.    
كتبتم عن معوقات الخطاب الثقافي الراهن وأغاريد المهمشين وثقافة الهامش الجغرافي، وأنتم من المنيا، فهل يرى الناقد القادم من الأقاليم المركز بعين مغايرة، وما الذي لا تراه القاهرة في المنيا؟ 
ما زال الواقع الثقافي على ما هو عليه: القاهرة هي المركز الذي يحظى بكل الاهتمام والرعاية والحظوة، أما الأقاليم فإنها لا تنال إلا أقل القليل من الاهتمام والرعاية، ومهما علت جودة إبداع شاعر أو قاص فيها فإنه بدون المركز لا يتم النظر له. لا يختص هذا في شئون الثقافة فحسب بل في مختلف المجالات، أعطيك مثلاً: حينما تتشكل أي حكومة لماذا يكون أغلب الوزراء من خريجي جامعات القاهرة وعين شمس وحلوان (العاصمة الآن)؟ كم عدد الوزراء الذين ينتمون لجامعات الصعيد مثلاً؟ أو الجامعات الإقليمية في العموم؛ علمًا بأنه توجد كفاءات كبيرة في هذه الجامعات قادرة على العطاء الكبير.
الناقد القادم من الأقاليم للمركز لا يحظى بالاهتمام إلا إذا انضم لطائفة أو شلة بعينها، يتم احتسابه عليها، ويدافع عنها ظالمة أو مظلومة، أما ما لا تراه القاهرة في المنيا، فهي لا تلتفت للمواهب الحقيقية ولا ترى في الأقاليم شيئًا مفيدًا.

بما أنكم توليتم رئاسة اتحاد كتاب المنيا، فما المنجز الذي تعتبرونه إضافة حقيقية في تاريخ الاتحاد، وما التحدي الذي لم تنجحوا في تجاوزه، وهل تشعرون أن لصوتكم حضوراً فاعلاً بين جيل المبدعين الشبان في الصعيد أم أن بينكم وبينهم مسافة؟  
توليت رئاسة اتحاد الكتاب بالمنيا مرتين، أولاهما وكان الاتحاد يجمع أدباء ومبدعي كل من المنيا وبني سويف والفيوم، ثم حدث الاستقلال في العام الأول فانفصل أدباء بني سويف والفيوم وشكلوا فرعهم، وبقينا نحن في المنيا، وفي تلك المرحلة التي امتدت لأربعة أعوام قدمت فيها ندوات كثيرة جدًا، كنت أقيم كل أربعاء (تيمنًا بكتاب شيخنا طه حسين حديث الأربعاء) ندوة ثقافية أو إبداعية، وعرفنا بمبدعين شبان جدد، واحتفينا في مؤتمرات بكتاب ونقاد كبار، واستطعنا بفضل وجود رجالات ثقافة حقيقيين مثل الدكتور شعيب خلف والدكتورة رانيا عليوه، اللذين كانا يتفانيان في خدمة الثقافة والمبدعين، فالدكتور شعيب ناقد وشاعر مهم وهو عضو اتحاد كتاب مصر والمنيا، والدكتورة رانيا فنانة تشكيلية حاصلة على الدكتوراه في الفنون الجميلة، فكنت كلما طلبت عقد ندوة في قصر الثقافة تكون الموافقة منهما على الفور، ويخصصان لنا قاعة أخرى لو كانت قاعة نادي الأدب مشغولة، فكانت هذه الفترة أخصب الفترات وأكثرها نشاطًا وفاعلية.
ومضى زمن وعدت لأتولى رئاسة اتحاد كتاب المنيا، لكن اختلف الظرف تمامًا، لم نعد قادرين على إقامة ندوة واحدة بقصر ثقافة المنيا إلا بشق الأنفس، رغم أن جميع أعضاء الاتحاد بحكم لائحة نوادي الأدب أعضاء في نادي الأدب، فإن العراقيل كانت توضع لنا، فنقلنا أنشطتنا إلى مكتبة مصر العامة بالمنيا، إذ يديرها شخص محب للثقافة والمعرفة والأنشطة الفكرية، هو الدكتور طه محمد نصر الذي فتح لنا قاعات المكتبة وسمح لنا بإقامة عدد من الندوات المهمة، لكن عيبها أنها كانت كلها صباحية، لأن المكتبة مضطرة أن تغلق أبوابها في حدود الخامسة مساء فقط.
ولا أكذبك القول نعاني كثيرًا هذه المرة من ضعف الموارد التي تصرف لنا من إدارة اتحاد كتاب مصر، ومع ارتفاع إيجار المقر وبعد المكان (المنيا الجديدة) فإن ما يصلنا صدقًا لا يكاد يغطي إيجار المقر فقط ناهيك عن الكهرباء والمياه والغاز والأنشطة وبدلات الانتقال، فأوقفنا صرف بدلات الانتقال إلا في أضيق نطاق، وأوقفنا مكافآت المشاركة، ونحاول إيجاد حل لأزمة ارتفاع إيجار المقر، وحاولنا مع المحافظين السابقين في المنيا وطلبنا منهم أن يمنحونا ولو مقرًا من مساكن المحافظة بإيجار رمزي، ولكن بلا جدوى.
تدرّسون الأسلوبية والتداولية والحجاج واللسانيات النصية في زمن اختزل القراءة إلى خمس عشرة ثانية، فهل البلاغة العربية قادرة على مقارعة هذه السرعة أم أننا نعلّم فنون الرقة لأجيال تعيش على العجلة؟  
البلاغة العربية في أحد تعريفاتها هي الإيجاز، وما قلّ ودلّ، ولا تميل البلاغة العربية للإطناب، إلا في حالات تستدعي ذلك، وأوضح لك أن كثيرًا من أصول الأسلوبيات الحديثة مستند على جهود البلاغيين العربي القدامى، فالانحراف عند تشومسكي هو العدول عند الجرجاني، واكتسب مسميات أخرى بعد ذلك مثل الانحراف والإزاحة، وجهود البلاغيين القدامى معروفة وقد اطلع عليها الغرب في عصور النهضة، وأسس عليها.
لكن هذا لا يعني أن بلاغتنا قادرة على مواجهات تحديات العصر بمعطياتها القديمة، وكثير من أساتذة العصر حاولوا تجديد البلاغة مثل أحمد الشايب صاحب كتاب (الأسلوب) والدكتور محمد عبد المنعم خفاجي والدكتور عبد العزيز شرف في كتابهما المشترك (البلاغة العربية بين التقليد والتجديد)، وللحق فنحن بحاجة لإعادة النظر في بعض جوانب البلاغة العربية وعلى رأسها علم البديع الذي وصلت فنون القول فيه إلى 150 فنًا بديعيًا جمعها صفي الدين الحلّي في قصيدته اليتيمة التي عارض فيه الإمام البوصيري وجاءت في 146 بيتًا، أكثرها لا نحتاجه اليوم، ولا يكاد يعرف متخصصو البلاغة أكثرها ولا التمييز بينها.
ولا ننسى جهود العالم الكبير سعد مصلوح الذي خطا بالبلاغة العربية خطوات كبيرة حينما أقام تواصلاً بينها وبين اللسانيات النصية، وتناول الخيط من يده الدكتور جميل عبد المجيد الذي أعد رسالة دكتوراه موضوعها (البديع بين البلاغة العربية واللسانيات النصية) حاول فيها تناول بعض فنون البديع من المنظور اللساني المعاصر، لكنه لم يكمل المسار بعد ذلك ولا أدري لماذا؟، وأضاف الدكتور سعد مصلوح عمقًا أكبر للبلاغة العربية عندما ربط بينها وبين الأسلوبية، مستفيدًا من بعض نظرياتها وأدواتها الإجرائية مثل (معادلة الأميركي بوزيمان) وهي معادلة تقيس نسبة الأفعال للصفات، ويمكن عن طريقها تمييز الأساليب ويمكن الإفادة منها كذلك في التثبت من صحة نسبة النص لصاحبه، وكان ذلك في كتابه المهم (الأسلوب) حيث قدم جانبًا تطبيثيًا مهمًا لهذه المعادلة بعد تعديلها وضبطها بحيث تتوافق مع معطيات اللغة العربية، وصار هذا المنهج أساس كل من يرغب في استخدام هذه المعادلة.     
وللحق ما زلت أرى أن علم البديع هو من اختصاص النحويين لا البلاغيين، وأنهم أولى به، فمباحثه تشتمل على مباحثهم، الخبر والإنشاء، والإسناد والتقديم والتأخير، والحذف والذكر والتعرف والتنكير والقصر والفصل والوصل...إلخ. وكان رأيي أن نعطي لقسم النحو والصرف علم المعاني ونأخذ من قسم النحو العروض، ومن قسم علم اللغة الأسلوبية، ونعيد تعديل البلاغة في ضوء تلك المقترحات، وقد قدمت هذا المقترح بالفعل للكلية لكن لم يبالِ أحد!

أشرفتم على سبع عشرة رسالة دكتوراه جلّها نال مرتبة الشرف الأولى، فما معياركم في اختيار طلابكم، وعندما ينال طالب ممتاز دون الشرف الأولى على من يكون عتابكم: عليه أم على أنفسكم؟  
أحرص على اختيار طلابي في الدراسات العليا، في الأغلب، وأحاول أـن أعلمهم جيدًا وأميزهم من مرحلة تمهيدي الماستر، لكن لنعترف بأن طلاب اليوم ليسوا مثل طلاب المراحل السابقة، أغلبهم لا يقرأ ولا يحصَّل من العلم إلا أقله. وهم عندما يكتبون رسائلهم كثيرو النقل الذي هو أقرب إلى السرقة العلمية ما لم ينبههم المشرفون.
الرسائل لم تعد تقدم جديدًا إلا نادرًا، ومن الصعب أن تجد الآن طالبًا متميزًا، معظمهم ينجحون بالمجاملات ولوجود أقاربهم من أعضاء هيئة التدريس، وبصراحة المستوى تدنى كثيرًا، ومع ضعف مكافآت الإشراف والمناقشة صرت أعزف مثل كثيرين عن الإشراف إلا في حالات قليلة جدًا. أنا الآن وأنا أستاذ كبير لا أشرف إلا على رسالتين فقط، عندي تلميذ لي صار الآن أستاذا بالقسم يشرف على أكثر من عشر رسائل. الهرم بات مقلوبًا.
أكثر الرسائل تحصل على أعلى التقديرات مع ضعف مستوى الطلاب والأساتذة: ممتاز في الماجستير ومرتبة الشرف الأولى في الدكتوراه، وبعض الأساتذة المشرفين يصرون على إضافة التوصية بطبع الرسالة وتداولها بين الجامعات مع سوء مستواها العلمي، ربما لأن هناك أشياء أخرى تحاك في الظلام، واللجنة يجامل بعضها بعضا بمنطق (شيلني واشيلك).

حققتم (أغنية ومزمار) لإبراهيم ناجي وقارنتموه بتشيخوف ويوسف إدريس، فلماذا يعود أستاذ البلاغة إلى ديوان طبيب رحل قبل سبعين عاماً، وأي رسالة يحملها ناجي لأساتذة البلاغة اليوم؟  
أغنية ومزمار ليست ديوانًا لإبراهيم ناجي، بل مجموعة قصصية قمت بتجميعها من دار الكتب بالقاهرة وعانيت في هذا الجمع والتحقيق، لقصص صدرت في الثلاثينيات حتى رحيل ناجي في 24 مارس 1953م. وذيّلت الكتاب بدراسة تتناول الجانب القصصي عند إبراهيم ناجي الذي يعرفه أغلب المثقفين شاعرًا لكنّ قليلين جدًات من يعرفونه قاصًا، فكان لي السبق في هذا. وقد حاولت أن أنصف ناجي وقصصه وأن أعرف قراءه بموضوعاته التي شغل بالكتابة عنها، كان ناجي أقرب للمفكر، منه للشاعر أو القاص، وكان شغوفًا بمصر وأهلها، فرصد في قصصه معاناة الناس وأمراضهم وصراعاتهم النفسية، وأعد هذا الكتاب من أهم كتبي.
ولأن تخصصي هو الأدب المقارن فقد أقمت مقارنة بين ثلاثة جمعتهم صفة الطبيب الأديب وهم: أنطون تشيخوف وإبراهيم ناجي ويوسف إدربس، فالثلاثة تناولوا قضية الطبيب والمريض والواجب وكانت المرأة حاضرة في أعمالهم، فجاءت دراستي بعنوان (رباعية الطبيب والمرأة والمريض والواجب بين تشيخوف وناجي وإدريس) مقارنة نصية، واشتغلت فيها على ثلاث قصص قصيرةهي: الجندب لتشيخوف (وترجمت بالجرادة أو اللعوب) و(الأقدار) لناجي و(على ورق سوليفان) ليوسف إدريس، وقارنت بين توظيف الكتاب الثلاثة للرباعية : الطبيب والمرأة والمريض والواجب، وكيف قدم كل منهم من واقع وعيه وتجربته الإبداعية رؤيته كطبيب ومبدع لهذه العناصر الأربعة وخلصت لنتائج مهمة ميزت إبداعاتهم القصصية. 
أما عن الرسالة التي يسوقها لنا ناجي من خلال قصته فهو يطالبنا بأن نعيد قراءة أعماله القصصية، وألا نقسو عليه ونظلم موهبته القصصية كما فعل معه الدكتور حامد النساج من قبل، فهو قاص موهوب صاحب فكر ووعي حاد، وهو أحد المدافعين عن المرأة والمحتفين بها.
يدور معظم نتاجكم حول الطفل: في الدكتوراه وفي كتاب موت الطفل في الشعر العربي المعاصر وفي مقال أطفال بلا دموع، أهو الطفل الذي في النصوص أم الطفل الذي فيكم، وماذا رأى طفل المنيا عام 1963 وما زال يكتب عنه؟  

لعلي كنت من أوائل النقاد الذين كتبوا واحتفوا بصورة الطفل كاشفًا عن القيم الجمالية الفنية المتعددة في استخدامه شعرًا ونثرًا، حتى عندما أعددت رسالتي عن أمل دنقل وجدت أن الطفل والطفولة تشكل عمقًا ووعيًا كبيرًا في شعره، وبالأخص الطفل اليتيم أو موت الطفل، فلا توجد قصيدة لا يشير أمل في أحد سطورها عن الطفل أو لعبته أو موت أبيه وأمه.
أعتقد الأمر كما أوضحت من قبل مرتبط بهزيمة السابع والستين، كثير من الأطفال في البيوت فقدوا عائلهم أو أخاهم، بفعل الحرب والهزيمة، كما أن معطيات علم النفس المعاصر كشفت عن أن كثيرًا من المشكلات التي تواجهنا في حياتنا لها جذور من مرحلة الطفولة، وقد انتبه المبدعون المعاصرون لكل هذه المعاني، إضافة إلى عمق الدلالات المرتبطة بالطفل أو الطفولة، فحاولوا توظيفها في إبداعاتهم الشعرية والنثرية، ولعلي كنت أول من نبه لهذا الأمر بكتابيّ: صورة الطفل في الرواية المصرية، وموت الطفل في الشعر العربي المعاصر. وبالتأكيد لم تكن طفولتي بمعزل عن طفولة من وردت أسماؤهم في الشعر والسرد، كنا نفتش جميعًا عن البراءة والعفوية ونقاء الضمير.
ما الكتاب الذي تسعون إلى قراءته الآن ولم تفرغوا منه بعد، وما الكتاب الذي لا يزال صداه في ذهنكم بعد كل هذه السنوات، وما الكتاب الذي تتمنون لو كتبتموه ولم تكتبه بعد؟ 
 أشياء كثيرة أريد أن أستعيد قراءتها: كل أعمال نجيب محفوظ مرة أخرى، ويوسف إدريس، والكتاب الذي لا يزال صداه في ذهني ووجداني وقلبي هو كتاب الله: القرآن الكريم، إنه لم يفارقني قط في كل مراحل حياتي، ولعلّ علاقتي به ازدادت عندما كنت في جامعات السعودية أدرس مقرر اسمه (البلاغة القرآنية)، وفي السعودية نحن لا يحق لنا تدريس كتبنا ومؤلفاتنا بل الكتب التي يحددونها لنا، والحق إنه كان هناك كتاب رائع أفدت منه كثيرًا في مجال بلاغة القرآن، وهو كتاب الشيخ سيد قطب قبل تحوله (التصوير الفني في القرآن) وأرى أن هذا الكتاب وكتابه (مشاهد القيامة في القرآن) الذي افتتحه بتاسوع أوزوريس ومحكمة العدل الإلهية وهي تحاسب بالميزان أعمال العباد، وبريشة العدالة (ماعت)، الحقيقة أفدت كثيرًا من كتاب التصوير الفني وفتح ذهني على أشياء كثيرة في مجال عبقرية التصوير في القرآن، أما الكتاب الذي أتمنى أن أفرغ منه فهو كتاب في الأدب المقارن، وفيه عدد من المقارنات التي آمل أن أنجح في الوصول لكتابة نهائية عنها ومنها مثلاً أن قصة (البحار الغريق) المصرية القديمة هي مادة (رحلات السندباد) التي وردت في ألف ليلة وليلة، وهو امر دعاني لأن أتتبع علاقة مصر القديمة ببلاد ما بين النهرين لأثبت وجود علاقات ثقافية وتجارية بين البلدين، وما زلت عاكفًا على قراءة ما يسمى بمراسلات تل العمارنة، ولعلي أخرج منها بما يثبت صدق فرضيتي، طبعًا البحار الغريق تشبهه قصة واحدة من مغامرات السندباد البحري وهي الرحلة الثانية إلى وادي الألماس وليست كل الرحلات، أما المقارنة الثانية فأعقد فيها مقاربة بين كلية ودمنة ورواية مزرعة الحيوان لجورج أورويل وأرى أن النصين متفقان في أشياء كثيرة مع اختلاف طبيعة المعالجة السردية لكل منهما، وتبقى مقارنتان الأولى بين نوفيلا (البوسطجي) ليحيى حقي و(سرد أحداث موت معلن) لجابرييل جارثيا ماركيز في إطار فكرة موضوعة (العفة) أو البكارة ، والأخيرة مقارنة بين نوفيلا مجيد طوبيا (دوائر عدم الإمكان) لمجيد طوبيا وقصة قصيرة (للورانس)، وأتمنى أن أنتهي منها جميعًا مع مطلع العام الجديد.
لو خيّركم الزمن أن تمحو كل كتبكم وتبقوا بجملة واحدة تهدونها لطالب السنة الأولى بدار العلوم فما الجملة التي لو فهمها فهم البلاغة كلها؟  
سأقول لهم ثلاث جمل: الأولى للفيلسوف المثالي الألماني هيجل: لا شيء يدوم سوى التغير. والثانية للشاعر والمسرحي الألماني أيضًا برتولت بريخت: (لأن الأمور على ما هي عليه فإنها لن تبقى على ما هي عليه) - (حتمية التغير)، والثالثة للفيلسوف اليوناني هراقليطس: "إنك لا تخطو في النهر نفسه مرتين".

بعد أربعين عاماً من التدريس وثلاثة وعشرين عاماً من الغربة وثمانية دواوين ورئاسة قسم ووكالة كلية، ما النصيحة التي كنتم تتمنون لو نصحكم بها أحد وأنتم شاب في بداية الطريق، وما السؤال الذي تمنيتم أن يُسأل لكم في لقاء ولم يُسأل؟  
ليتنا لم نعشق اللغة العربية ولم نحصل على أعلى الدرجات بها، ولم نكن أساتذة جامعيين. ونحن صغار كان أغلبنا يجيد لعب كرة القدم، فكان الأهل يزجروننا ويتهموننا بالخيابة لأننا نلعب كرة القدم. ليتنا مضينا في هذا الطريق كنا سنصبح مشهورين وأثرياء وربما كنا سننضم للمنتخب ويلقانا رئيس الجمهورية بالحفاوة التي لا يلاقي بها العلماء.
لكن ليت هذه لا نملك معها سوى الحزن. فكرونوس لا يعيد الزمن للوراء!  
كيف تقرؤون المشهد الثقافي المصري اليوم؟ وأين ترون موضع الصعيد منه في ميزان الاهتمام والدعم؟
السؤال هو أي مشهد ثقافي؟ اتحاد الكتاب منقسم على نفسه وغارق في القضايا والمحاكم ومعاقبة الخارجين على مجلس إدارته. وأغلب أعضائه ليس لديهم فكر عميق أو إبداع خلاق ولا رؤية مستقبلية للثقافة ودورها في تلك المرحلة البائسة.
والمجلس الأعلى للثقافة ما زال رجالاته بعينهم من أكثر من عشرين عامًا، لا يتغيرون، ربما ينتقل بعضهم من لجنة إلى أخرى، لكنهم قابعون على أنفاس الثقافة، لا يحركون ساكنًا اللهم إلا بعض الندوات التي لا يحضرها إلا أصحابها، في مسرح الهناجر دعيت من نادي القصة أن أعطي محاضرة عن حاضر الرواية العربية، حضر لي ستة أفراد فقط، ولم يتم تقديم سوى كوب شاي، وزجاجة مياه صغيرة تقاسمتها مع من في المنصة.
وهيئة الكتاب تعاني من غيبة أشياء كثيرة، أنا على دراية بالأمر لأني كنت قد تقدمت بأوراقي لشغل منصب رئيس الهيئة، وكان معي أربعة آخرون، لكن للأسف قام الأستاذ حلمي النمنم بتكليف أحد المتقدمين بالمخالقة للقانون، لأنه تكليفه يعني تمييزه، وهو ما يخالف مبدأ تكافؤ الفرص، وانتهى الأمر بتولي هذا السيد رئاسة هيئة الكتاب، وقد قدمت وقتها مشروعًا لتطوير الهيئة ضمن مصوغات تقديم الأوراق، ربما لو قاموا بتفعيله لتحسنت أوضاع كثيرة.
أكثر شيء مخجل في المشهد الثقافي هو المجاملات والشلل للأسف، وطبعًا ملف جوائز المجلس الأعلى للثقافة عليه كثير من الملاحظات، آخرها فوز متقدمة لا تتطابق أوراق تقدمها مع شروط الجائزة بالمجاملة. 
وأخيرًا الهيئة العامة لقصور الثقافة أراها أكثر شيء دمر ويدمر حياتنا الثقافية، بموظفيها الذين يتولون كل المناصب الثقافية والإدارية وهم المبدعون وهم المحكمون في الجوائز وهم كل شيء، وإذا قرأت لأكثرهم أو جالست أغلبهم يكادون يخلون من أي موهبة ومن أي تميز إلا من رحم ربي، ومع ذلك يسيطرون على كل منافذ الثقافة والعمل الثقافي. هذا الملف في رأيي – ملف الهيئة العامة لقصور الثقافة- من أصعب الملفات الشائكة، اللهم اجعل كلامنا عليهم خفيفًا، وهو سبب عقم المواهب وضعف الإبداع وانتشار السبوبة.  

لو أوكلت إليكم مسؤولية القرار الثقافي في مصر فما أول ثلاثة قرارات تتخذونها لإنصاف الصعيد ثقافياً وإخراجه من هامش التمويل والمنصات؟  
لو كان الأمر بيدي لألغيت أكثر قصور الثقافة بالجمهورية وأغلقت بيوت الثقافة في كل المراكز فهي بلا جدوى وليس لها أي قيمة، وقد أحسن وزير الثقافة الأسبق الدكتور أحمد هنو بأن بدأ في فعل ذلك.
العمل الثقافي ليس عملاً إداريًا ومن يشتغلون به ليسوا موظفين، سأقيم مسابقة كبرى أنتقي فيها كل الموهوبين في مختلف محافظات مصر، وسأعينهم وأجعلهم يقومون بالعمل الثقافي عن بعد، بين الجماهير والساحات والقرى والنجوع والمدن والشوارع والأحياء، فيقدمون إبداعاتهم ومواهبهم ويحيون الجمال في كل مكان بين الناس، وينظمون العروض المسرحية في الساحات والمدارس والميادين العامة ومراكز الشباب، وكذلك ندوات الشعر، وفرق الغناء الشعبي، ولن أطالبهم بالحضور والانصراف فعملهم ليس على مكاتب، لكن آخر كل يوم يقدمون فيه تقريرًا عن بعد بما تم إنجازه في ذلك اليوم بالصور.
لا أحتاج مديري عموم ووكلاء وزارة، يكفي خطط مركزية يتم الاتفاق عليها ويتم تنفيذها ومتابعتها من خلال لجان متابعة ومن الممكن أن تتم المتابعة عن بعد.

أخيراً... المنيا التي أنجبت طه حسين، هل ترون بعد قرن من الزمان في أدباء المنيا اليوم من يحمل بذرة عميد أدب عربي جديد، ومن هو الأقرب لهذا الأفق من وجهة نظركم؟
بالتأكيد هناك مواهب كبيرة وكثيرة، بعضها لا ينتبه له ويحتاج رعاية ودربة، وهذا الدور منوط بالمدارس والجامعات. الظروف التي أنجبت طه حسين والعقاد والمنفلوطي تغيرت كثيرًا، لم يعد يعبأ الناس بالإبداع، ولا بالشعر والأدب والثقافة، أقصى ما يمكن أن يلتفتوا له الآن هي الدراما التليفزيونية التي أصبحت ديوان العرب بحكم ملازمتهم للبيت ليلاً! ظروف المعيشة الصعبة باتت تضيق الخناق على أغلب طبقات الشعب، يبحث الناس عن لقمة العيش التي لم تعد تتوفر، ويسألون الله أن ننجو من هذه الغمة!  
ربما يصلح بيت حجازي للرد على سؤالك المطروح: هذا الزحام.. لا أحد!  أو كما قال دعبل الخزاعي: إني لأفتح عيني حين أفتحها  على كثيرٍ ولكنْ لا أرى أحدا

مساحة إعلانية