مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

الاغتراب والحنين فى"فنجان قهوة بــ٧جنيه" للكاتبة صفاء عبد المنعم

2026-11-06 10:42 PM  - 
الاغتراب والحنين فى"فنجان قهوة بــ٧جنيه" للكاتبة صفاء عبد المنعم
المبدعة صفاء عبد المنعم

بقلم :عيد حميدة

الاغتراب أشد ما يواجه الإنسان في العصر الحديث وقد شخصه علماء النفس بأنه مرض عضال وخطورته تكمن في تشتت الذات الإنسانية وظهوره يلحق بالإنسان أعراضا أخرى مثل الحنين إلى الماضى أو انشطار الذات وتبعثرها والكاتبة صفاء عبد المنعم تعيش واقع هذا المجتمع ولا تنفصل عنه وبالتالى ليس غريبا أن تكون هذه المجموعة القصصية مغلفة بالحنين الناتج عن الاغتراب الذى يؤرق الإنسان.

وراحت الكاتبة تشخص هذا المرض العضال بأسلوبها الراقى الرشيق بعيدا عن التقعر والفذلكة لأن الأمر لا يتطلب ذلك فالمعالجة البسيطة السهلة أقرب الوسائل إلى قلب المتلقى وعندما بحثت في قلوب بعض من حولها وشعرت بما يشعرون به وشخصت امراض هؤلاء و جدت انه يتلخص فى شئ واحد هو "الاغتراب" الذى تملك منهم وملك عليهم حواسهم وذواتهم ثم راحت تشخص العلاج والدواء لهؤلاء

عن طريق قلمها فكانت النتيجة النهائية ظهور هذه المجموعة من القصص التى كانت بمثابة العلاج لكل حالة من تلك الحالات التى تشم فيها  رائحة الاغتراب وهذا الاغتراب يتسلل إلى نفس القارئ ويندمج مع أصحاب تلك القصص.

وكان المزج بين الواقع والأسطورة أحد الوسائل التي اتبعتها الكاتبة وتوصلت إلى سبب هذا الشعور بالاغتراب وكان السبب هو "الخوف".

ثم نأتى إلى هذا العنوان الذى اختارته الكاتبة لإحدى تلك المجموعة القصصية فالبطل فيها طفل يعانى من حواديت و حكايات جدته المخيفة وتسببت تلك الحواديت والحكايات فى أن يتملك الخوف منه لدرجة أنه كان يحلم بالتخلص من هذا الخوف الذى ملك عليه حياته وتعددت شخوص هذا الخوف بدءاً من المدرس والمناظر والأب والعفاريت والجنيات وظلت هذه الشخوص فى ذاكرته تلازمه أينما ذهب في الشارع والمقهى فكان يحاول أن يتغلب على هذا الخوف عن طريق البكاء في صمت وأخذ يهيم في الطرقات والشوارع بحثا عن سبب لهذا الخوف والكاتبة هنا قد استخدمت "الطفل" كرمز للإنسان بصفة عامة , وليس لمرحلة إنسانية معينة وتظل هذه المتلازمة معه أينما كان.

ونلاحظ فى هذه المجموعة القصصية زيادة قوة الاغتراب واضحة جلية في قصة"في قلبى غرام مصبرنى". والاغتراب يظهر هنا واضحا عندما نجد البطلة وقد فقدت مكان إقامتها المفضل ذلك المكان الذي شهد سنوات شبابها أما الآن فهى تسكن في إحدى المدن الجديدة الخرساء وتحكى قصتها مع بعض مقاطع إحدى أغانى الزمن الجميل وكأنها اعتبرت هذه الأغنية بمثابة طوق النجاة لها من هذا الواقع.

وتزداد حالات الاغتراب وضوحا وكثافة في قصة:"فنجان قهوه ب٧جنيه"والتى كانت العنوان الرئيسى لهذه المجموعة القصصية ونحن هنا نلاحظ شدة نوبة الاغتراب فى هذه القصة لدرجة أن البطلة تستدعى تاريخ الجد ،"إبراهيم باشا"وتتغزل  فيه وبالرغم من صخب الحياة من حولها ورعونة البشر في هذا المكان نرى شعورها بالاغتراب لا يجد من يفهمه وقد عبرت عن ذلك فى قصة"رأيت ديستوفسكى"حيث أقامت حوارا مع الروائى الأشهر لأنها تشعر بأن أحدا لا يستطيع فهمها رغم كثرة المحيطين بها.

ويظل هذا الحنين السمة المميزة لهذه المجموعة القصصية وهذا الحنين لم يكن مقصورا على شئ محدد لكنه يتنوع  بتنوع المكان والزمان والشخوص قد يكون حنينا للمناطق القديمة أو الأم  أو ايام الطفولة كما في قصة "الغريب".

وقد يكون الحنين إلى التاريخ كما في قصة"فنجان قهوه ب٧جنيه "أو يكون هذا الحنين إلى الأسرة كما في قصة "يوم للممازحة"  لدرجة أنها كانت تشعر بالحنين وهى ترتشف قهوتها والبطلة تقول:الرشفة الاولى بطعم الحنين والرشفة الثانية بطعم الفقد والثالثة بطعم التمنى ثم اعتبرت أن هذا الثالوث نتيجة الاغتراب  لأن فقد الأحبة او السكن أو الأسرة أو التاريخ يؤدون جميعا إلى نتيجة حتمية وهى الاغتراب"

مما يجعل الشعور بالحنين يشتعل بداخلنا ونتمنى العيش والانطلاق إلى عالم أرحب واوسع.

وفى قصة: "أسراب النمل "نلحظ نوعا غريبا من ذلك الاغتراب" فالأم هنا توهم الطفلة بأن النمل يغنى وبصوت عال بحيث انها لا تستطيع النوم ونفس الشئ نلاحظه في قصة"الشيطان يشرب الشاى" حيث توهمت أن الشيطان يأتى إليها ويحكى لها الحكايات.

الثنائيات:

استخدمت الكاتبة "الثنائيات "ونوعت هذه الثنائيات بين الأمكنة تارة وبين الأم والابنة تارة أخرى وبين الماضي والحاضر تارة ثالثة وبين المدن الجديدة والعشوائيات تارة رابعة وكان الشوق والرغبة في الحرية والحياة والإحساس بالأمل سمات مميزة لهذه الثنائيات.

أسلوب الكاتبة:

اعتمدت الكاتبة على البساطة فى السرد حيث استخدمت اللغة الفصيحة مع اللهجة العامية فى بعض الأحيان وتعددت وسائل السرد وتقنياته واختلاف الرواه مما أضفى على هذه المجموعة جوا من الحميميه التى تؤدى إلى الاستمتاع والتخفيف من جو الغربة والفقد وكذا استعانة الكاتبة بالأغنيات الشعبية كوسيلة للخلاص النفسى من قسوة الواقع المحيط بها.

وقد منحت الكاتبة عمقا واضحا للسرد عندما قامت بدمج المتناقضات مما أضفى على السرد عمقا يجاوز السطح اليومى. المباشر وبرغم تلك البساطة في السرد تميزت الكاتبة بالعمق والتوظيف الواعى لمستويات الحوار مما أكسب ذلك الحوار أبعادا دلالية معبرة عن الأزمات الشخصية وتغلبها على ما تقابله من إحباطات من خلال الفن .ولكن  عندما يتعلق الأمر بتفاصيل الحياة اليومية و التلقائية الخطابية عند الأم المصرية ومحاولة التواصل بين ذلك وبين الفلسفة والنظريات المعاصرة فإننا نلاحظ وجود فجوة كبيرة بينهما فلا تستقيم البساطة والعفوية والتلقائية مع تعقيدات الفلسفة ورموزها

ومع ذلك نجد الكاتبة تقوم بمحاولة تطويع الفانتازيا والواقع عن طريق التداخل بينهما بالرمز وذلك في قصة"أسراب النمل تغنى"

حيث مزجت الكاتبة حالة التشظى النفسى للشخصيات بحيث يصبح الواقع عاجزا عن استيعاب الأزمة مما يجعله يلجأ إلى الخيال  لتجسيدها

مساحة إعلانية