مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

السيد فيتو: آخر فصول الميغالومانيا .. بقلم مصطفى عبدالملك الصميدي -اليمن

2026-11-07 05:17 PM  - 
السيد فيتو: آخر فصول الميغالومانيا .. بقلم مصطفى عبدالملك الصميدي -اليمن
مصطفي عبد الملك

يبدو أن دونالد ترامب - المشارف على السقوط - قد قرر خوض معركة استثنائية مع الجغرافيا والتاريخ ومؤسسات الدولة في محاولة لإقناع العالم بأن اسمه يصلح لكل شيء، من المدن والمضائق والمحيطات إلى الألقاب الدستورية. فبعد أن راودته هواجس تحويل مدينة غزة إلى "مدينة ترامب"، وتخيل مضيق هرمز "مضيق ترامب"، والمحيط الأطلسي "محيط ترامب"، ها هو يطل علينا بإنجاز استعراضي جديد، منصّباً نفسه "السيد فيتو"، وكأن مفردات العظمة قد نفدت من قواميس السياسة ولم يبق أمامه سوى اختراع ألقاب تليق بأناه المتضخمة. ويبدو أن الرجل، الذي يدرك سقوطه، لم يعد يكتفي - في مخياله - بحكم الولايات المتحدة وإنما يطمح إلى حكم الجغرافيا وتحرير التاريخ من أسمائه القديمة، وربما لم يبقَ أمامه سوى المطالبة بإعادة تسمية الكرة الأرضية باسمه! إنها الميغالومانيا الترامبية في أكثر تجلياتها استعراضاً؛ رئيس يريد أن يكون اسمه في كل مكان وصورته فوق كل مقام وكأن العالم بأسره خُلق ليكون لوحة إعلانية لمجد شخصي متخيل.

يبدو أن ترامب لم يكتفِ بالجلوس في المكتب البيضاوي، بل قرر أن يجلس فوق الدستور أيضاً وأن يحوّل لقب "السيد فيتو" إلى ما يشبه التاج الملكي وكأن الولايات المتحدة قد تخلّت عن جمهوريتها وقررت استبدال النظام الدستوري بنظام "الرئيس دائماً على حق والبقية عليهم الصمت". فالفيتو، الذي وُضع أصلاً ليكون أداة دستورية لضبط السلطة ومنع تغوّلها، أصبح في قاموس ترامب أشبه بزر أحمر لا يكتمل شعوره بالعظمة إلا بالضغط عليه. المفارقة أن الدستور الأمريكي صُمّم ليقول للرئيس: لستَ الدولة، ولستَ فوق المؤسسات، ولستَ صاحب الكلمة المطلقة. لكن ترامب يبدو وكأنه قرأ الدستور بالمقلوب فخرج منه بقناعة مفادها أن المؤسسات مجرد ديكورات في مسرحه السياسي وأن الكونجرس لا يجتمع إلا ليمنحه فرصة جديدة لاستعراض عضلاته الرئاسية. إنه منطق "الأنا" حين ترتدي بدلة رسمية وتجلس في المكتب البيضاوي؛ فبدلاً من أن يكون الفيتو وسيلة لحماية التوازن الدستوري يصبح وسيلة لإثبات أن لا شيء يتحرك في البلاد إلا بإشارة من إصبع الرئيس. وهكذا يغدو "السيد فيتو" عنواناً لنهج سياسي يختزل الديمقراطية في مشهد رئاسي يتصدره رجل واحد وتتحول فيه المؤسسات إلى أدوار ثانوية في مسرح السلطة، بينما يصبح الرئيس المخرج والبطل وصاحب الكلمة الأخيرة وكأن واشنطن قد تحولت إلى خشبة مسرح والكونغرس مجرد جمهور ينتظر إشارة رفع الستار أو إسداله.

ولعل المفارقة الأكثر إثارة للسخرية في المشهد الأمريكي تتجلى في التزامن بين صعود عبدالرحمن السيد، المنحدر من أسرة مصرية مهاجرة، وفوزه بمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح أول مسلم يُنتخب عضواً في واحدة من أهم مؤسسات صنع القرار في الولايات المتحدة، وبين خطاب ترامب الذي استحضر هويته العربية والإسلامية في سياق المواجهة الانتخابية، حتى أطلق عبارة "الولايات المتحدة العربية"، وكأن وصول سياسي من أصول عربية إلى مؤسسة أمريكية يستدعي إعادة رسم خريطة البلاد! وهنا تتجلى المفارقة الكوزموبوليتانية بوضوح؛ فمجتمع تتعدد روافده الثقافية والحضارية ويفتح مؤسساته أمام مختلف الهويات، يقابله خطاب سياسي يستدعي الأصول والدين وكأن المواطنة تحتاج إلى شهادة تثبت نقاء الهوية. وبينما تتقدم الكوزموبوليتانية بوصفها تعبيراً عن انفتاح المجتمع وتعدد روافده، ينشغل بعض السياسيين بنبش جذور المنافسين، لتتحول السياسة الأمريكية إلى مكتب للهجرة والتفتيش في الأصول والأنساب على حساب التنافس في البرامج والأفكار وتقديم الحلول.

وإذا تأملنا هذا السلوك في سياق مساره المتصل، فسوف ندرك أن "السيد فيتو" ليس واقعة معزولة في قاموس الاستعراض الترامبي وإنما حلقة جديدة في سلسلة من محاولات الاستحواذ الرمزي على العالم. فمن غزة التي ظهرت في تصوره مدينة تحمل اسمه، إلى مضيق هرمز الذي تخيله مجالاً لتسمية شخصية، وصولاً إلى المحيط الأطلسي، ثم مؤسسات الدولة التي يريد أن يختزل صلاحياتها في لقب يخلّد صورته، تتكشف نزعة سياسية تسعى إلى تحويل كل ما يقع تحت النفوذ إلى امتداد رمزي لصاحب النفوذ. غير أن المفارقة الأكثر إيلاماً تكمن في اتساع الفجوة بين هذا التضخم في صناعة الصورة وبين تعقيدات الواقع الدولي؛ فالولايات المتحدة تواجه تحولات جيوسياسية عميقة ومنافسة دولية متصاعدة وأزمات داخلية تتطلب قيادة تدرك حدود القوة وتستوعب حقائق التاريخ. وفي خضم هذه التحولات، يبدو أن صناعة الألقاب باتت أيسر على بعض الزعماء من صناعة الإنجازات؛ فبدلاً من بناء التوافقات يستعرضون عضلات الفيتو، وبدلاً من صناعة المستقبل ينشغلون بحفر أسمائهم على جدران الحاضر وكأن عظمة الإمبراطوريات تُقاس بحجم الأنا وعدد الألقاب ولون القبعات!

ختاماً، قد ينجح دونالد ترامب في تنصيب نفسه "السيد فيتو"، وإغراق العالم بألقابه وصوره، لكنه يعجز عن حجب حقائق التاريخ خلف قبعة حمراء. فالإمبراطوريات تبدأ بالأفول عندما تنشغل أيما انشغال بتضخيم صورة حكامها عن ترميم شروخها وعندما يصبح استعراض القوة بديلاً عن امتلاكها. ولعل مفارقة المشهد أن الرجل الذي يريد أن يضع اسمه على العالم قد ينتهي به المطاف شاهداً على انحسار الإمبراطورية التي يحكمها؛ فالتاريخ لا يمنح حق النقض لأوهام العظمة!

مساحة إعلانية