مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

الشاعر حسن غريب يكتب : الأدب الكلاسيكي..حين تصبح القراءة طريقًا إلى الخلاص

2026-07-18 06:30 PM  - 
الشاعر حسن غريب يكتب : الأدب الكلاسيكي..حين تصبح القراءة طريقًا إلى الخلاص
الشاعر حسن غريب أحمد - العريش

ثمة كتب نقرؤها لنقتل بها الوقت، وثمة كتب تقرؤنا قبل أن نقرأها، فتغير شيئًا في وعينا، وتعيد تشكيل علاقتنا بالحياة والإنسان.

وهذا هو سر الأدب الكلاسيكي الذي ظل حيًا رغم مرور القرون؛ لأنه لا يخاطب عصرًا بعينه، بل يخاطب الإنسان في جوهره.

حين تقرأ الأدب الكلاسيكي تشعر بسلطة داخلية لم تكن تملكها من قبل. ليست سلطة السيطرة على الآخرين، وإنما سلطة المعرفة، واتساع الرؤية، والقدرة على فهم النفس والبشر والتاريخ. فالقارئ الحقيقي لا يخرج من الكتاب كما دخله، بل يخرج أكثر نضجًا، وأعمق بصيرة، وأقدر على التمييز بين الحقائق والأوهام.

وقد ظهرت في السنوات الأخيرة اعتراضات كثيرة على قراءة الكتب العظيمة، بعضها نابع من التعالي على الماضي، وبعضها الآخر يستند إلى اتهام تلك الأعمال بالعنصرية أو التحيز الجنسي أو تمثيلها لقيم لم تعد مقبولة في عصرنا.

 ولا شك أن بعض النصوص تحمل آثار زمانها وثقافته، لكن الحكم عليها بمعايير الحاضر وحدها يفقدنا القدرة على فهم التاريخ وتطور الوعي الإنساني. فالقراءة ليست محكمة لإدانة المؤلفين، بل نافذة لفهم الإنسان في ظروفه وتحولاته.

إن قيمة الأعمال الكلاسيكية لا تكمن في أنها خالية من العيوب، وإنما في قدرتها على طرح الأسئلة الكبرى التي لا تموت: ما العدالة؟

 ما الرحمة؟

ما الحرية؟

 كيف يتغير الإنسان؟

 وهل يستطيع أن يبدأ حياة جديدة مهما أثقلته الخطايا؟

ولعل رواية «البؤساء» لفيكتور هوجو تمثل واحدة من أعظم الإجابات الأدبية عن هذه الأسئلة. فكثيرون يظنون أنها رواية عن الفقر والظلم الاجتماعي فحسب، لكنها في حقيقتها رواية عن الخلاص.

إنها رحلة الإنسان من الظلمة إلى النور، ومن الانتقام إلى الغفران، ومن اليأس إلى الرجاء.

يبدأ جان فالجان حياته سجينًا محطمًا، لكن كلمة رحمة من أسقف نبيل تغير مجرى حياته كله، فيكتشف أن الإنسان لا يولد مرة واحدة، بل قد يولد من جديد كلما انتصر الخير في داخله. وهنا يكمن المعنى الأعمق للرواية؛ فالحياة ليست سلسلة من العقوبات، بل فرصة دائمة للتوبة والإصلاح والانبعاث.

ولذلك تتدفق الحياة في صفحات «البؤساء» بكل تناقضاتها؛ حب وكراهية، فقر وغنى، عدالة وقسوة، سقوط وارتقاء.

 إنها لا تقدم شخصيات مثالية، بل بشرًا يخطئون ويصيبون، ويصارعون أنفسهم قبل أن يصارعوا العالم.

إن قراءة الأدب الكلاسيكي ليست عودة إلى الماضي، بل هي عودة إلى الإنسان. ففي زمن السرعة والسطحية وضجيج وسائل التواصل، تمنحنا هذه الأعمال فرصة للتأمل، وتعلمنا أن الحضارة لا تُبنى بالمعرفة التقنية وحدها، وإنما ببناء الضمير والوجدان.

ولعل أعظم ما تمنحه لنا الكتب العظيمة أنها تذكرنا دائمًا بأن الإنسان أكبر من أخطائه، وأن الرحمة أقوى من الكراهية، وأن الأدب الحقيقي لا يغير العالم بالقوة، بل يغير الإنسان، ومن الإنسان يبدأ كل تغيير.

مساحة إعلانية