مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

الصعيد بين الأصل والوافد: قراءة في التحول الديموغرافي والاجتماعي

2026-11-04 10:36 AM  - 
الصعيد بين الأصل والوافد: قراءة في التحول الديموغرافي والاجتماعي
محمود النعيمي

بقلم محمود النعيمي
لم يكن الصعيد يوماً مجرد جغرافيا على ضفتي النيل، بل كان منظومة قيم متكاملة، قامت على النسب والشرف والكرم والأنفة، وعلى احترام الكلمة والعهد، وعلى منظومة إنتاج زراعي وحيواني جعلت البيت الصعيدي وحدة اقتصادية مستقلة تنتج ما تأكل وتأكل مما تنتج.
وقد ظل هذا البناء الاجتماعي متماسكاً لقرون طويلة، تحرسه القبائل العربية الأصيلة التي استوطنت وادي النيل منذ الفتح الإسلامي، قبائل قحطانية وعدنانية، حملت معها تقاليد الفروسية والكرم وإغاثة الملهوف وحماية الجار، وحفظت أنسابها في صدورها وفي وثائقها، فكان الصعيدي يُعرف بأصله قبل أن يُعرف باسمه.
وحين جاء محمد علي باشا إلى حكم مصر، أدرك أن الصعيد هو العقبة الكبرى أمام مشروعه المركزي. فالصعيد لم يكن خاضعاً بسهولة، وكانت له قياداته وشيوخه وعصبياته التي لا تقبل الحكم من بعيد. وقد حاول محمد علي إخضاع الصعيد بالحملات العسكرية، فاصطدم بمقاومة عنيدة في أسيوط وقنا وأسوان، واصطدم بطبيعة جغرافية واجتماعية تجعل الحرب فيه مكلفة وطويلة.
فلجأ إلى أسلوب آخر، أسلوب السياسة لا السلاح، وأسلوب تغيير التركيبة الاجتماعية من الداخل. فأمر بفرض انتشار الجماعات الرحالة في قرى الصعيد ونجوعه، وهي جماعات كانت تعيش قبل ذلك على أطراف المدن وفي الصحارى، متنقلة بين المواسم والأسواق.
ومن هذه الجماعات: الغجر، والنَّوَر، والحَلَب، والجَمَس، وهم جماعات عرفت تاريخياً بالترحال، واشتغلت بحرف متنقلة لا ترتبط بالأرض، مثل تقليم حوافر الحيوانات، وترويض الخيول وتدريبها على الحركات، ودبغ الجلود، وصناعة الغرابيل والمناخل، وتجارة الأقمشة المتنقلة، وضرب الودع، والعزف على المزمار والربابة والطبل، وإحياء الحفلات والأفراح بالرقص والغناء، والحواة وألعاب الخفة.
وكانت طبيعة العمل في هذه الجماعات تعتمد على التنقل الدائم بين القرى، وكان الرجل يجلس في الخيمة بينما تخرج المرأة من الفجر إلى الغروب لتجوب النجوع، تبيع وتشتري وتغني وتعزف، وتعود في المساء بما جمعت. وقد كان أهل الصعيد الأصليون يميزون بوضوح بينهم وبين هؤلاء الوافدين، فلم يسمحوا لهم بالسكن داخل القرى في بيوت الطوب، بل كان سكنهم مقصوراً على الخيام وأكواخ الشعر والوبر على أطراف القرية، وكان الزواج منهم محرماً اجتماعياً، وكان التعامل معهم مقصوراً على حدود الحرفة، لا يتجاوزها إلى المصاهرة أو الجيرة أو المجالس.
وقد كان هذا الفصل الاجتماعي هو الذي حفظ للصعيد هويته. فكان الصعيدي الأصيل يعرف أن من يجاوره في السوق ليس بالضرورة من أهله، وأن من سكن قريته ليس بالضرورة من نسبها، وأن السكنى ليست هي الأصل، وأن الإقامة ليست هي الحضارة.
ثم جاءت ثورة يوليو 1952، وحملت معها مشروعاً اجتماعياً كبيراً، كان من أهم أركانه مجانية التعليم. وقد فتح هذا المشروع أبواب المدارس والجامعات أمام جميع الطبقات، بلا تمييز بين أبناء القبائل الأصيلة وأبناء الجماعات الوافدة. فتعلم أبناء هذه الجماعات، ودخلوا الجامعات، وتخرجوا في كليات الحقوق والطب والهندسة والآداب، وانتقلوا من الخيمة إلى الشقة، ومن أطراف القرية إلى قلب المدينة.
ومع انفتاح الحياة السياسية في عهد الرئيس حسني مبارك، وانتشار الانتخابات المحلية والمجالس الشعبية والنقابات، تمكن بعض أبناء هذه الجماعات من الوصول إلى مناصب إدارية ووظائف مرموقة، وصار منهم مديرون ورؤساء قطاعات وموظفون في مؤسسات كبرى، وصار لهم حضور في الحياة العامة لم يكن موجوداً من قبل.
وهنا بدأ الخلط الذي يشكو منه كثير من أهل الصعيد اليوم. فالقاهري الذي يأتي إلى الصعيد في مهمة عمل، أو يتعامل مع موظف في مصلحة حكومية في قنا أو سوهاج أو أسيوط، قد يظن أنه يتعامل مع الصعيدي الأصيل، بينما هو في الحقيقة يتعامل مع وافد انتسب إلى الصعيد بالسكنى لا بالأصل، وبالإقامة لا بالنسب، وبالوظيفة لا بالتاريخ.
ومن هنا نشأت مقولة ترددت في القاهرة والوجه البحري: إن الصعيد تغير، وإن أهله لم يعودوا كما كانوا. والحقيقة أن الصعيد الأصيل لم يتغير، وأن قيمه لم تتبدل، وأن ما تغير هو المشهد الذي يراه الزائر، فقد اختلط عليه الأصيل بالوافد، والسيد بالمقيم، وصاحب الأرض بصاحب الخيمة.
إن الصعيد الأصيل هو الذي تعرفه من مجلسه، ومن كرمه، ومن وقوفه عند كلمته، ومن أنفته التي تأبى التملق والتزلف، ومن احترامه للمرأة وصونه لها، ومن جعله العمل شرفاً للرجل، لا عبئاً يلقيه على زوجته.
أما الجماعات الرحالة، فقد حملت معها ثقافة مختلفة تماماً، ثقافة الترحال لا الاستقرار، وثقافة الحرفة المتنقلة لا الزراعة، وثقافة الاعتماد على الحيلة واللسان والحركة لا على الأرض والجهد الطويل. وقد ظلت هذه الثقافة راسخة في سلوكها حتى بعد دخولها المدارس والوظائف، فتجد الواحد منهم يبحث دائماً عن كبير يستند إليه، وعن سيد يلوذ به، وعن قوة يحتمي بها، لأن الترحال الطويل علمه أن لا وطن له إلا من يحميه في لحظته.
ولذلك، فإن الإنصاف يقتضي التمييز. فلا يجوز أن يُحاسب الصعيد على أفعال من سكن فيه ولم يكن منه، ولا يجوز أن تُنسب إلى قبائل هوارة والعرب والأشراف والأنصار أخلاق جماعات لم تعرف يوماً معنى النسب ولا الشرف ولا حماية الأرض.
إن الصعيد، في عمقه، ما زال كما كان: أرض النيل الخصيب، وأرض المساجد والمعابد، وأرض القبائل التي حملت القرآن واللغة والفروسية، وأرض الرجال الذين إذا قالوا فعلوا، وإذا وعدوا أوفوا، وإذا جاعوا لم يمدوا أيديهم إلا إلى الله.
ومهمة المؤرخ والصحفي والأديب اليوم أن يعيد رسم هذا الخط الفاصل بين الأصل والوافد، وأن يذكر القارئ أن الصعيد ليس من تراه في مكتب أو في سوق، بل من تراه في بيته، على مصطبته، بين أهله، في فرحه وحزنه، حيث تظهر الأخلاق على حقيقتها، وحيث يظهر الفرق بين من له جذور في الأرض ومن له خيمة على طرفها.

مساحة إعلانية