مساحة إعلانية
بقلم: محمد فتحي السباعي
ماذا لو تحوّلت الدول العربية من تجمعٍ لغوي وتاريخي إلى قوة اقتصادية وسياسية تمتلك قرارها، وتحمي أمنها، وتصنع غذاءها ودواءها وسلاحها، وتستثمر ثرواتها في مستقبل أبنائها؟
ماذا لو أصبح الحلم العربي مشروعًا له مؤسسات وميزانيات وجداول زمنية، بدلًا من أن يظل شعارًا نستدعيه كلما اشتدت الأزمات، ثم نعود إلى خلافاتنا عندما تنتهي الخطب؟
إن العرب لا تنقصهم الثروات، ولا المساحات، ولا العقول، ولا الأسواق، وإنما يحتاجون إلى منظومة تُحسن توظيف هذه الإمكانات، وتحوّلها من موارد متفرقة إلى قوة متكاملة. ومن هنا تبرز فكرة الولايات المتحدة العربية، باعتبارها مشروعًا اتحاديًّا تدريجيًّا يقوم على المصالح المشتركة، ويحترم سيادة الدول، ويمنح المواطن العربي أملًا في مستقبل أكثر أمنًا وكرامة.
أولًا: الولايات المتحدة العربية.. اتحاد المصالح لا إلغاء الدول
لا تعني الوحدة العربية أن تتخلى الدول عن هويتها أو خصوصيتها، ولأن ا تُفرض عليها سلطة مركزية دون إرادة شعوبها، وإنما أن تتفق على مجالات محددة تتجاوز فيها الحسابات الضيقة، وتعمل من خلالها بإرادة مشتركة.
يمكن أن يبدأ المشروع بمعاهدة اتحادية تُقرّها الدول المشاركة، وتنشئ مجلسًا للتنسيق الاستراتيجي، ومؤسسات مشتركة للتجارة والاستثمار والطاقة والغذاء والبحث العلمي، مع آليات واضحة لتسوية النزاعات واحترام القانون.
وتكون الخطوة الأولى بناء سوق عربية مشتركة حقيقية، تُسهّل انتقال السلع والخدمات ورؤوس الأموال، وتُزيل العوائق غير الضرورية أمام التجارة، وتربط الموانئ والسكك الحديدية والطرق وشبكات الكهرباء والاتصالات.
فالوحدة التي لا يشعر المواطن بأثرها في سعر السلعة، وفرصة العمل، وتكلفة النقل، وجودة التعليم والعلاج، تظل وحدةً ناقصة الأثر.
ثانيًا: الجيش العربي.. عقيدة دفاعية وأمن مشترك
لا يمكن لأي مشروع اتحادي أن يستمر من دون حماية أمنه ومصالحه. ومن هنا تأتي فكرة تطوير منظومة دفاع عربي مشتركة، تبدأ بالتنسيق بين الدول الراغبة، وتبادل المعلومات، والتدريب المشترك، والتعاون في الصناعات الدفاعية، وحماية الحدود والممرات البحرية والمنشآت الحيوية.
ولا يعني ذلك بالضرورة إنشاء جيش مركزي واحد منذ البداية، بل بناء قدرات متوافقة، وقيادة تنسيق دفاعي تخضع لقرارات سياسية وقانونية واضحة، مع تحديد اختصاصاتها وضمان عدم استخدامها في الصراعات الداخلية.
إن قوة الدفاع الحقيقية لا تُقاس بعدد الجنود وحده، بل بقدرة الدول على منع الحرب، وحماية شعوبها، وصون استقلال قرارها، وامتلاك التكنولوجيا التي تقلل اعتمادها على الخارج.
والأهم أن يكون هذا التعاون دفاعيًّا، لا مشروعًا للعدوان أو فرض الإرادة على الآخرين.
ثالثًا: حزب حماة العرب.. مشروع مدني يتجاوز الحدود
إذا كان الهدف بناء مستقبل عربي مشترك، فلا يكفي التعاون بين الحكومات وحدها؛ بل لا بد من مساحة مدنية تجمع أصحاب الأفكار والمبادرات من مختلف الدول.
وهنا يمكن طرح فكرة «حماة العرب» بوصفها حركة مدنية عربية عابرة للحدود، أو شبكة تعاون سياسي وفكري، تعمل وفق القوانين الوطنية، وتؤمن بالتعددية والمواطنة والمساءلة، وتضع التنمية ومكافحة الفساد وحماية الحقوق في مقدمة أولوياتها.
ولا ينبغي أن تتحول هذه الفكرة إلى حزب مفروض من أعلى، أو كيان يحتكر الحديث باسم العرب؛ بل تنمو من خلال الحوار العام، والبرامج المعلنة، والمشاركة الطوعية، والانتخابات حيث يسمح القانون.
وتتمثل مهمتها في تقديم حلول عملية لمشكلات البطالة، والتعليم، والصحة، والفقر، والفساد الإداري، وتعزيز ثقافة الإنتاج والعمل التطوعي، وربط الشباب بمشروعات التنمية في بلدانهم.
فحماية العرب لا تبدأ من الحدود وحدها؛ بل تبدأ أيضًا من حماية الإنسان من الجهل والفقر والمرض وضياع الفرص.
رابعًا: بنك الإنتاج العربي.. المال الذي يصنع المستقبل
من أهم ركائز المشروع إنشاء بنك الإنتاج العربي، وهو تصور لمؤسسة تمويل تنموي مشتركة، لا تكتفي بإقراض الحكومات أو تمويل الاستهلاك، وإنما توجه جانبًا رئيسيًّا من مواردها إلى المشروعات الإنتاجية ذات الجدوى الاقتصادية والاجتماعية.
يموّل البنك المشروعات الزراعية والصناعية، ومراكز البحث العلمي، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا، والصناعات الدوائية، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وسلاسل الإمداد التي تربط الإنتاج العربي بالأسواق العربية والعالمية.
ويقوم على مساهمات الدول الأعضاء، ومؤسسات الاستثمار، والصناديق التنموية، وفق قواعد مالية شفافة، ودراسات جدوى مستقلة، ومعايير معلنة للتمويل والرقابة وتقييم النتائج.
ومن الضروري ألا يتحول البنك إلى صندوق لتوزيع الأموال بلا حساب، أو وسيلة لإنقاذ المشروعات الفاشلة على حساب دافعي الضرائب. فكل تمويل يجب أن يرتبط بإنتاج قابل للقياس، وفرص عمل، وقيمة مضافة، وقدرة على الاستمرار.
إن المال العربي حين يتحول إلى مصانع ومزارع ومختبرات ومراكز تكنولوجيا، يصبح استثمارًا في الاستقلال الاقتصادي، لا مجرد أرقام تتحرك بين الحسابات.
خامسًا: الشمول المالي العربي.. من الأموال المتفرقة إلى الاستثمار المنتج
لا يكفي تأسيس بنك جديد إذا ظل المواطن العربي بعيدًا عن النظام المالي، أو بقيت المشروعات الصغيرة عاجزة عن الوصول إلى التمويل.
ولهذا يحتاج المشروع إلى منظومة للشمول المالي العربي، تتيح خدمات مصرفية آمنة وميسّرة للأفراد وأصحاب المشروعات الصغيرة، وتدعم المدفوعات الرقمية، وتقلل تكلفة التحويلات، وتساعد على توجيه المدخرات نحو الاستثمار المنتج.
ويمكن، على المدى الطويل، تطوير شبكة مدفوعات عربية مشتركة، وربط أنظمة الدفع الوطنية، ودراسة آليات تسوية التجارة البينية بالعملات المحلية، وفق قواعد متفق عليها، بما يقلل بعض تكاليف التحويل ومخاطر الاعتماد المفرط على قنوات خارجية.
لكن النجاح يتطلب حماية بيانات المواطنين، ومكافحة غسل الأموال، وضمان استقرار المؤسسات المالية، وتجنب القرارات النقدية المتعجلة.