مساحة إعلانية
بقلم الدكتور/ محمد حسين – أستاذ القانون الدولي
profdrmohamedhussien@gmail.com
لم يكن اختيار التاسع عشر من أغسطس يوماً عالمياً للعمل الإنساني مجرد مدونة في تقويم المناسبات الأممية، بل جاء معمدًا بالدماء ووفاءً لمأساة إنسانية شهدها مقر الأمم المتحدة في بغداد عام 2003، حين أدى تفجير فندق القناة إلى مقتل الممثل الخاص للأمين العام سيرجيو فييرا دي ميلو و21 من رفاقه. كان ذلك الحادث بمثابة جرس إنذار مبكر أعلن دخول العمل الإغاثي عصرًا جديدًا ومظلمًا؛ عصرًا لم تعد فيه الشارات الدولية وسترات الإغاثة حماية كافية لأصحابها من أتون النزاعات المسلحة.
إن العمل الإنساني في جوهره ليس مجرد تقديم للمساعدات الغذائية أو الطبية في أوقات الكوارث والحروب، بل هو التجسيد العملي للمبدأ الأخلاقي الأكثر نبلًا: حماية الكرامة الإنسانية وحفظ الحياة حين تتوارى كافة الحقوق القانونية والسياسية. يقف العاملون في هذا المجال على خطوط التماس الفاصلة بين الحياة والموت، يقدمون تضحيات جسامًا تتجاوز مشقة العمل في الظروف القاسية لتصل إلى دفع أرواحهم ثمنًا لإصرارهم على إغاثة المستضعفين.
ولم يترك المجتمع الدولي هذه الممارسة النبيلة معلقة في الفراغ الأخلاقي، بل أوجد لها بيئة قانونية حاضنة ومظلة حماية منظمة يُطلق عليها "القانون الدولي الإنساني" International humanitarian law (IHL) والمتمثل أساساً في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكولين الإضافيين لعام 1977. يقوم هذا القانون على فلسفة حازمة تهدف إلى الحد من آثار النزاعات المسلحة لأسباب إنسانية، ويكفل الحماية الكاملة للمشاركين في العمليات الإغاثية وللأعيان والمعدات المخصصة لهذا الغرض.
وفقاً لقواعد هذا القانون، لا سيما المادة 71 من البروتوكول الإضافي الأول، فإن أفراد الإغاثة يتمتعون بالاحترام والحماية، ويُحظر استهدافهم أو توجيه الهجمات ضد المنشآت الطبية ووسائل النقل الإغاثية. إن مبدأ "التمييز" الأولي في القانون الدولي الإنساني يفرض على أطراف النزاع التمييز في جميع الأوقات بين السكان المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، مما يضع أطقم الإغاثة بشكل قطعي في خانة المشمولين بالحماية المطلقة.
غير أن هذا الإطار القانوني الصارم يواجه اليوم انتهاكًا واختبارًا غير مسبوقين، لا سيما بالنظر إلى سلوك قوات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبشكل خاص في قطاع غزة. لقد تحول استهداف عمال الإغاثة، والفرق الطبية، وقوافل المساعدات - مثلما حدث في حصار المستشفيات واستهداف أطقم وكالة الأونروا (UNRWA) والمطبخ المركزي العالمي - من مجرد أخطاء ميدانية فردية إلى سلوك منهجي وممنهج يرقى إلى انتهاكات جسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني.
إن حرمان المدنيين عمدًا من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، ومنع وصول غوث المساعدات، واستهداف المنشآت التي تحمل الشارات المهدية (كالهلال الأحمر أو الصليب الأحمر) يشكل صراحةً جرائم حرب بموجب المادة 8 من نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية International Criminal Court (ICC). ينص نظام روما في المادة (8-2-ب-12) و(8-2-e-3) على أن تعمد توجيه هجمات ضد الموظفين أو المنشآت أو المواد أو الوحدات أو المركبات المستعملة في مهام المساعدة الإنسانية أو حفظ السلام هو جريمة حرب مكتملة الأركان خاضعة لاختصاص المحكمة.
وعلى صعيد الآليات الإجرائية والمضمون الجنائي الفردي، فإن تفعيل ملاحقة المسؤولين عن استهداف أطقم الإغاثة أمام المحكمة الجنائية الدولية يعتمد على مسارات إحالة صريحة رسمتها المادة (13) من نظام روما الأساسي؛ سواء عبر إحالة من الدولة الطرف، أو بموجب اختصاص المدعي العام للمحكمة بفتح تحقيق من تلقاء نفسه (Proprio Motu) بناءً على معلومات موثوقة، أو عبر إحالة من مجلس الأمن الدولي بموجب الفصل السابع. وفي هذا السياق، يتجاوز التكييف القانوني للإسناد الجنائي مجرد إثبات الركن المادي للجريمة (Actus Reus) المتمثل في الفعل المباشر للإطلاق أو القصف، ليرتكز بالأساس على استيفاء الركن المعنوي (Mens Rea) بقصد وجهة متعمدين لاستهداف الهيئات الإنسانية مع العلم بصفة الحماية التي تتمتع بها. والأهم من ذلك، أن نظام روما يُفصّل أشكال المسؤولية الجنائية الفردية عبر المادة (25) التي تطال الفاعلين المباشرين والمشاركين والمتحرضين، وتتكامل مع المادة (28) المتصلة بـ "مسؤولية القادة والرؤساء عن أفعال مرؤوسيهم" (Command Responsibility)؛ حيث يُسأل القائد العسكري أو المسؤول السياسي جنائياً عن الجرائم التي ترتكبها القوات الخاضعة لسيطرته الفعلية إذا كان يعلم -أو يفترض أن يعلم في تلك الظروف- بأن تلك القوات كانت ترتكب أو على وشك ارتكاب أفعال تستهدف المنظمات الإغاثية، ولم يتخذ جميع التدابير اللازمة والضرورية في حدود سلطته لمنع ارتكابها أو لإبلاغ السلطات المختصة للتحقيق والمشروعية. هذا التكييف المركّب يُسقط حجة "الأخطاء الميدانية" أو "الضرورة العسكرية"، ويحول الأفعال النمطية المكررة إلى سياسة دولة أو منظمة تستوجب المساءلة الجنائية الدولية الفردية دون إمكانية للتمسك بالحماية أو الحصانات الرسمية.
مسار المحاسبة وفق المقاربة الدولية لا يتوقف عند حد التنديد السياسي؛ بل يتطلب تفعيل المسئولية الجنائية الفردية للقادة العسكريين والسياسيين عن تلك الأفعال أمام المحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب تحريك المسئولية الدولية للدولة أمام محكمة العدل الدولية. إن عدم إفلات مرتكبي هذه الانتهاكات من العقاب ليس مجرد انتصار للعدالة وانتصار للضحايا، بل هو شرط بقاء للعمل الإنساني برمتة، فإذا سقطت الحصانة القانونية عن عمال الإغاثة، ينهار المعمار الأخلاقي والقانوني الذي بني عليه النظام الدولي منذ منتصف القرن الماضي.
إن إحياء اليوم العالمي للعمل الإنساني هذا العام يجب ألا يقتصر على الاحتفاء التكريمي للتضحيات، بل يجب أن يتحول إلى صرخة قانونية وأخلاقية عالمية تلزم المجتمع الدولي بتحويل نصوص اتفاقيات جنيف من مجرد قواعد مدونة على الورق إلى درع حقيقي يحمي من المخاطرة بأرواحهم ليبقى غيرهم على قيد الحياة.