مساحة إعلانية
بقلم مصطفى عبدالملك الصميدي| اليمن
ثمة حقيقة حتمية يكررها التاريخ عبر العصور: ما من رجل تكبر أو تجبر إلا لذلة في نفسه، غير أن التاريخ يمتلك منطقه الخاص ويخبئ في منعطفاته نهايات مغايرة تماماً لما يرسمه المتغطرس في مخيلته. فكلما استبد به الغرور، توهم أن قوته أبدية وأن نفوذه عصي على الانكسار وأن العالم كله خُلق ليخضع لإرادته. هذا هو دونالد ترامب؛ بالأمس كان يتبجح بقوته وماله ونفوذه، واليوم يمر في أزمة تتجاوز شخصه لتلامس جوهر الهيمنة الأمريكية. فالرجل الذي رفع خطاب العظمة واستعراض القوة إلى مستويات غير مسبوقة، أصبح رمزاً لمرحلة تتكشف فيها التناقضات بين ادعاءات التفوق وحقائق الواقع وبين طموحات الإمبراطورية وتحولات العالم. ولعل المفارقة الأشد دلالة أن الإمبراطوريات تبدأ رحلة أفولها من اللحظة التي يتحول فيها شعورها بالقوة إلى استعلاء، وتتحول فيها ثقتها بنفوذها إلى استهانة بالعالم من حولها.
دائما ما اتخذ ترامب من الاستعلاء لغة تتجاوز حدود السياسة ومن استعراض القوة وسيلة لإثبات النفوذ، حتى غدا خطابه مشحوناً بنزعة التفوق والشخصنة والصدام الطائل مع العالم أجمع. لقد اختلطت لديه هيبة الدولة بهالة الرئيس الشخصية وتحولت السياسة في كثير من مواقفه إلى استعراض للأنا وفرض للإرادة. غير أن القيادة الحقيقية تضع نفسها في ميزان الحكمة والاتزان واحترام المؤسسات، فيما يكشف الإفراط المقيت في الغطرسة عن خلل في فهم السلطة وحدودها وعن ذلة في نفس صاحبها على حد سواء. فالتاريخ لا يخلّد أصحاب الضجيج بقدر ما يحتفظ بأصحاب الأثر والمواقف.
إن سقوط ترامب - وفق هذه القراءة - يتجاوز حدود المصير السياسي لرجل متغطرس، ليحمل دلالات أوسع بشأن مستقبل الهيمنة الأمريكية. فأمريكا التي اعتادت النظر إلى نفسها باعتبارها القوة التي ترسم قواعد اللعبة الدولية وتحدد اتجاهات النظام العالمي، تجد اليوم نفسها أمام عالم تتعدد فيه مراكز القوة وتتغير فيه موازين النفوذ وتتراجع فيه قدرة القطب الواحد على فرض إرادته بشكل منفرد. وقد أسهمت سياسات الاستعلاء والضغوط والقرارات الأحادية في تعميق التساؤلات حول موثوقية القيادة الأمريكية لدى حلفائها وخصومها على السواء. وهنا تكمن المفارقة العجيبة: سقوط ترامب وبداية انكشاف أفول نموذج الهيمنة الذي طالما ظن أصحابه أنه خالد؛ أفول لا رجعة فيه على مستوى استعادة الصورة القديمة للنفوذ الأمريكي في شتى بقاع العالم.
ومن سنن التاريخ إن الإمبراطوريات لا تفقد مكانتها في لحظة واحدة وإنما تتآكل بفعل الغرور وسوء التقدير وتراكم الأخطاء الاستراتيجية. والتاريخ مليء بقوى عظيمة اعتقدت أن العالم سيظل أسيراً لسطوتها، فإذا بها تواجه تحولات عصفت بمجدها وبددت أوهامها. وترامب، بما يمثله من خطاب سياسي قائم على الاستعلاء قد يغدو أحد الوجوه المرتبطة بهذه المرحلة المفصلية من التاريخ الأمريكي. فالقوة التي تفقد احترام الآخرين تتآكل هيبتها والدولة التي تعجز عن قراءة تحولات العالم تجد نفسها أمام واقع جديد تصنعه إرادات متعددة.
في نهاية المطاف، لا أحد أكبر من التاريخ ولا إمبراطورية محصنة من قوانين الصعود والأفول. وقد يكون سقوط ترامب عنواناً لبداية مرحلة أمريكية مختلفة، تتراجع فيها أوهام التفوق المطلق وتتبدد معها أسطورة الهيمنة الأبدية. فالمناصب زائلة وصخب السلطة عابر أما أحكام التاريخ فتبقى شاهدة على مصائر المتجبرين. ومن ظن أن العالم خُلق ليصفق لعظمته قد ينتهي اسمه مجرد فصل في حكاية إمبراطورية أرهقها غرورها ووجدت طريقها من عرش الهيمنة إلى مزبلة التاريخ.