مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

حيازة النقد الأجنبي ليست جريمة.. والتلبس هو الفيصل

2026-08-20 10:46 AM  - 
حيازة النقد الأجنبي ليست جريمة.. والتلبس هو الفيصل
أحمد صبحي أبوالخير المحامي بالنقض
إعلان بنك saib

بقلم / أحمد صبحي أبوالخير المحامي بالنقض 

يفترض الفهم والتطبيق الصحيح لنص المادة 238 من قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي رقم 194 لسنة 2020 وتعديلاته أن القيد الإجرائي الوارد بها، والمانع من تحريك الدعوى الجنائية، ينصرف إلى غير حالات التلبس.
وبمفهوم المخالفة، فإنه في حالة التلبس يجوز البدء في إجراءات التحقيق وتحريك الدعوى الجنائية دون انتظار اتخاذ إجراء آخر، وبخاصة الإذن المنصوص عليه قانونًا من محافظ البنك المركزي.
متى تتحقق حالة التلبس؟
في جرائم التعامل في النقد الأجنبي خارج السوق المصرفية، لا يكفي مجرد العثور على عملة أجنبية بحوزة شخص للقول بقيام الجريمة أو حالة التلبس.
فالتلبس يفترض أن تكون هناك واقعة إجرامية ظاهرة ومتحققة، كطرح العملة الأجنبية للتداول أو التعامل فيها بالمخالفة للقانون، وأن يتم ضبط المتهم حال ارتكاب الفعل أو في إحدى حالات التلبس التي حددها قانون الإجراءات الجنائية.
أما مجرد ضبط عملة أجنبية سليمة في حيازة شخص، دون أن تقترن الحيازة بفعل من أفعال التداول أو التعامل المؤثم قانونًا، فلا يكفي بذاته لقيام جريمة التعامل في النقد الأجنبي.
وهنا تبرز أهمية النص الذي قرره المشرع بشأن حق الشخص الطبيعي أو الاعتباري في الاحتفاظ بما يؤول إليه من النقد الأجنبي، فلا يجوز تحويل مجرد الحيازة المشروعة إلى جريمة لمجرد ضبط العملة مع صاحبها.
وماذا لو جاء الضبط عرضًا أثناء تنفيذ إذن في جريمة أخرى؟
هنا يثور التساؤل الأهم:
ماذا لو صدر إذن من النيابة العامة بتفتيش شخص لضبط جريمة معينة، ثم أسفر تنفيذ الإذن عن العثور عرضًا على عملة أجنبية؟
ولتوضيح الأمر، نفترض أن مأمور الضبط استصدر إذنًا لتفتيش شخص وضبط أدلة جريمة تزوير عملة، ثم عند تنفيذ الإذن لم يعثر على الجريمة محل الإذن، وإنما عثر على عملة أجنبية سليمة وغير مقلدة.
فهل مجرد العثور على العملة الأجنبية يجعل الواقعة جريمة تعامل في النقد الأجنبي؟
الإجابة ــ وفقًا لهذا الفهم ــ لا.
فالضبط هنا لا يكشف بذاته عن واقعة تداول أو تعامل غير مشروع، وإنما يكشف عن مجرد حيازة لعملة أجنبية، وهي حيازة لا تتحول إلى جريمة إلا إذا اقترنت بفعل مؤثم تتوافر به أركان الجريمة.
لا يجوز الخلط بين الإذن والتلبس
وهنا يجب التفرقة بدقة بين أمرين مختلفين:
الأول: الضبط الذي يتم تنفيذًا لإذن صادر من النيابة العامة في جريمة محددة.
الثاني: الضبط الذي يتم في حالة تلبس بجريمة أخرى ظهرت أثناء تنفيذ الإذن.
فإذا لم تظهر أثناء التنفيذ جريمة التعامل في النقد الأجنبي في حالة تلبس حقيقية وفقًا للقانون، فلا يجوز القول إن مجرد العثور على العملة قد أنشأ حالة تلبس من تلقاء نفسه.
أما إذا ظهرت لمأمور الضبط، أثناء التنفيذ، جريمة تعامل في النقد الأجنبي قائمة بالفعل، وكانت في إحدى حالات التلبس التي حددها القانون، فهنا يختلف الأمر، ويكون للنيابة العامة مباشرة التحقيق والتصرف في حدود ما يسمح به القانون، دون توقف ذلك على القيد الإجرائي الخاص بغير حالات التلبس.
القيد الإجرائي ليس أمرًا شكليًا
فإذا انتفت حالة التلبس، عاد الأمر إلى القاعدة التي قررها المشرع، ومؤداها عدم جواز تحريك الدعوى الجنائية إلا بعد استيفاء الإجراء الذي اشترطه القانون.
ومن ثم، فإن مباشرة التحقيق أو اتخاذ إجراءات تمس حرية المتهم، كالحبس الاحتياطي، أو تحريك الدعوى الجنائية، دون مراعاة القيد الإجرائي متى كان واجب التطبيق، يثير مسألة جوهرية تتعلق بمشروعية الإجراءات وصحة اتصال الدعوى بالمحكمة.
ولا يجوز تجاوز هذا القيد بمجرد تغيير وصف الواقعة أو الاستناد إلى إذن صدر أصلًا لضبط جريمة أخرى.
الخلاصة
المعيار الحاسم ليس وجود العملة الأجنبية، وإنما الفعل المؤثم الذي يكشف عن التعامل فيها بالمخالفة للقانون.
فإذا توافر التلبس بجريمة التعامل في النقد الأجنبي، انتفى القيد الإجرائي الخاص بضرورة الحصول على الإذن المقرر قانونًا.
أما إذا انتفى التلبس، ولم يكن هناك سوى مجرد حيازة لعملة أجنبية، فلا يجوز إنشاء جريمة من واقعة غير مجرّمة في ذاتها، ويظل القيد الإجرائي قائمًا، ولا يصح تحريك الدعوى إلا بالطريق الذي رسمه المشرع.
فالخلط بين الضبط تنفيذًا لإذن، والضبط في حالة تلبس، أو الجمع بين سندي القبض والإذن والتلبس، قد يؤدي إلى نتيجة قانونية خاطئة؛ لأن لكل منهما نطاقه وشروطه وآثاره.
والقاعدة التي ينبغي ألا تغيب عن التطبيق الجنائي هي أن التلبس حالة قانونية لها شروطها، وليس وصفًا يُفترض لمجرد العثور على شيء مع المتهم، وأنه لا يجوز التوسع في التجريم أو القيود الإجرائية بغير نص؛ فـما لم يجرّمه القانون لا يجوز أن يتحول إلى جريمة بمجرد التفسير أو الاستنتاج.

مساحة إعلانية