مساحة إعلانية
اهداء
إلى روح الشهداء الأبرار أبطال حرب 6 أكتوبر المجيد
كانَ ماء القناةِ
ساكنًا...
والجنودُ على الضفّةِ
ينتظرونَ النداءْ.
في يدِ الجنديِّ حبلٌ،
وفي يديهِ بندقيّةٌ،
وفي جيبِهِ صورةُ الأمِّ،
وفي صدرِهِ
موعدٌ لا ينامْ.
ثمَّ جاءَ النداءْ:
اللهُ أكبرُ.
فارتجَّ صمتُ القناةِ.
وانطلقتْ قواربُ
تشقُّ الدخانْ،
والمجدافُ في كفِّ جنديٍّ
يقاومُ ثقلَ المكانْ.
رائحةُ الديزلِ
تملأُ صدرَ القواربِ،
والخشبُ المبتلُّ
يرتجفُ تحتَ الأقدامْ.
والضفّةُ الأخرى
بعيدةٌ...
لكنَّ عينَ الجنديِّ
كانتْ تراها
أقربَ من نبضِهِ.
كانَ الساترُ
جدارًا من الرملْ.
قالوا:
لن يمرّوا.
فجاءتْ يدُ الماءِ
تفتُّ صلابتَهُ
حبّةً... حبّةْ.
وسقطَ أولُ جزءٍ.
ثمَّ ثانٍ.
ثمَّ ظهرَ الطريقْ.
صعدَ جنديٌّ
ووضعَ السُّلَّمَ.
مدَّ يدَهُ لرفيقٍ.
فصعدَ الآخرُ.
وصعدَ النهارْ.
في السماءِ
هديرُ الطائراتْ.
وفي الأرضِ
خطًى لا تلتفتْ.
والمدفعُ
يقطعُ صمتَ المكانْ.
لكنَّ جنديًّا
وسطَ الدخانْ
انحنى لرفيقٍ جريحٍ
وقالَ:
تماسكْ...
فلم يكنِ النصرُ
صوتَ المدافعِ وحدَهُ،
كانَ قلبًا
يحفظُ قلبًا
من السقوطْ.
وجاءَ رمضانْ.
تمرٌ قليلٌ.
وقليلٌ من الماءِ.
وأذانٌ بعيدٌ
يمرُّ فوقَ الخنادقْ.
أفطرَ الرجالُ،
ثمَّ عادوا
إلى مواقعِهمْ.
وكانتْ يدُ أمٍّ
في بيتٍ بعيدٍ
تضعُ طبقًا،
وتتركُ مكانًا
للغائبْ.
لم تكنْ تعرفُ
أنَّ ابنَها
كانَ في تلكَ الساعةِ
يكتبُ اسمَ مصرَ
فوقَ الرملْ.
ومضتْ ساعاتْ.
خوذةٌ في الترابْ.
حذاءٌ على حافّةِ الماءْ.
ورقةٌ مطويّةٌ
في جيبِ شهيدٍ
عليها سطرٌ قصيرْ:
أمّي... لا تقلقي.
لكنَّ صاحبَ السطرِ
لم يعدْ.
وبقيَ الخطُّ
شاهدًا
على قلبٍ
خرجَ ولم يرجعْ.
يا أكتوبرْ...
لم تكنْ لحظةَ حربٍ
وانتهتْ.
كنتَ تفصيلَ جنديٍّ
يشدُّ رباطَ حذائِهِ
قبلَ الصعودْ.
كنتَ يدًا
تقبضُ الحبلْ.
وعينًا
تراقبُ الساترْ.
وقلبًا
يخبّئُ صورةَ أمٍّ
ويحملُ بندقيّةً.
كنتَ فعلًا
يبدأُ من الخوفْ
ولا ينتهي عندَهُ.
ومنذُ ذلكَ اليومْ
ظلّتِ القناةُ
تحتفظُ بالخبرْ:
هنا مرَّ رجالْ.
هنا سقطَ خوفْ.
هنا صارَ الطريقُ
أوسعَ من المستحيلْ.
وهنا...
لم يعدِ الرملُ
رملًا وحسبْ.
صارَ ذاكرةً
تمشي عليها
خطى الذينَ
لم يعودوا.
وحينَ يجيءُ أكتوبرْ
لا تسألوا:
كيفَ عبروا؟
انظروا فقطْ
إلى تلكَ الصورةِ القديمةِ:
جنديٌّ
يصعدُ سُلَّمًا
في دخانٍ كثيفٍ،
يرفعُ رأسَهُ
نحوَ الضفّةِ الأخرى،
ويمضي.
تلكَ اللحظةُ وحدَها
تكفي
لتقولَ ما عجزَ التاريخُ
عن قولِهِ:
لم يعبروا قناةً فقطْ...
لقد عبروا
من الخوفِ
إلى الفعلْ،
ومن المستحيلِ
إلى الإمكانْ،
ومن لحظةٍ
في عمرِ وطنٍ...
إلى تاريخٍ
لا ينتهي.