مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

حين يصمت الكلام... تتكلم الحكمة بقلم محمد أحمري

2026-07-16 02:12 PM  - 
حين يصمت الكلام... تتكلم الحكمة بقلم محمد أحمري
محمد أحمري

ليس كل صمتٍ فراغًا، ولا كل كلامٍ امتلاءً. ففي الحياة لحظاتٌ يعجز فيها اللسان عن بلوغ ما تدركه الروح، ويصبح الصمت لغةً أبلغ من الحروف، وخطابًا لا يحتاج إلى صوتٍ حتى يبلغ القلوب.

لقد اعتاد الناس أن يقيسوا الحضور بكثرة الحديث، وأن يظنوا أن ارتفاع الصوت دليلٌ على قوة الحجة، بينما الحقيقة أن أعظم العقول هي تلك التي تعرف متى تتحدث، ومتى تترك للصمت أن يؤدي رسالته. فالصمت ليس غيابًا، بل حضورٌ من نوعٍ آخر؛ حضور الفكر، واتزان النفس، ونضج التجربة.

حين نصمت، لا نتخلى عن حقنا في التعبير، وإنما نمنح عقولنا فرصةً للتأمل، ونمنح قلوبنا وقتًا لتصفية المشاعر من شوائب الانفعال. ففي لحظة صمتٍ واحدة قد يولد قرارٌ حكيم، وقد تُوأد فتنة، وقد تُحفظ علاقةٌ كادت أن تهدمها كلمة خرجت قبل أوانها.

الصمت هو المعلم الخفي الذي لا يرفع صوته، لكنه يزرع في النفس أعظم الدروس. فمنه نتعلم أن الإصغاء نصف الحكمة، وأن الإنسان لا يعرف حقيقة الآخرين وهو يتحدث، بل يعرفهم وهو ينصت. ففي الإنصات تُكشف النيات، وتُقرأ الملامح، وتُفهم الآهات التي تعجز الكلمات عن حملها.

ولعل أجمل ما في الصمت أنه لا يعلم صاحبه فحسب، بل يعلّم من حوله أيضًا. فالأب الذي يواجه غضب أبنائه بالحلم، يورثهم سكينة الأخلاق. والمعلم الذي ينصت قبل أن يحكم، يغرس في طلابه قيمة الاحترام. والقائد الذي يزن كلماته قبل أن ينطق بها، يصنع الثقة في نفوس من يقودهم، لأن الناس لا تنجذب إلى كثرة الكلام، بل إلى صدقه ورجاحة عقله.

إن عالمنا اليوم يزداد ضجيجًا، حتى كادت الأصوات تطغى على المعاني، وكادت سرعة الردود تسبق عمق التفكير. وأصبح كثيرون يتحدثون ليُسمَعوا، لا ليُفهَموا، ويجادلون لينتصروا، لا ليصلوا إلى الحقيقة. وفي خضم هذا الضجيج، يغدو الصمت موقفًا أخلاقيًا، وانتصارًا للعقل على الانفعال، وللحكمة على الاندفاع.

وليس المقصود بالصمت أن نهجر الكلمة، فالكلمة الطيبة حياة، والحق ينبغي أن يُقال، والمظلوم يجب أن يُنصر، وإنما المقصود أن تكون الكلمة ابنة الحكمة، لا وليدة الغضب، وأن يكون اللسان ترجمانًا للعقل، لا أسيرًا للعاطفة العابرة.

لقد ترك لنا الزمن حقيقة لا تتبدل؛ أن كثيرًا من الندم كان سببه كلمة، وأن كثيرًا من النجاة كان سببها صمت. فمن عرف قيمة الصمت، عرف قيمة الكلمة، لأنهما وجهان لحكمةٍ واحدة، لا يكتمل أحدهما إلا بالآخر.

فلنجعل من صمتنا عبادةً للفكر، ومن حديثنا رسالةً للخير، ولنتذكر دائمًا أن الحكمة لا تُقاس بعدد الكلمات التي نقولها، وإنما بالأثر الذي تتركه في النفوس. فهناك صمتٌ يوقظ العقول، وكلمةٌ تحيي القلوب، وما أجمل الإنسان حين يجيد فنّ الاختيار بينهما.

مساحة إعلانية