مساحة إعلانية
في زمن تبلدت فيه الأحاسيس وتصارعت المصالح، يباغتنا فجأة سؤال يطرق جدران الصدور بقوة ، أين ذهب الحب من القلوب؟
لقد تحول العالم من حولنا إلى ركض متواصل خلف المادة ، وجفت المشاعر في عروق العلاقات الإنسانية حتى وصلنا إلى زمن تقشعر له الأبدان ؛ اكتب هذا المقال كصرخة استغاثة تطلقها الأرواح المنهكة من القسوة ، نداء حار يدعونا لنتوقف قليلاً ، وننفض الغبار عن ضمائرنا ، ونسترد إنسانيتنا المفقودة قبل أن تحولنا الأيام إلى مجرد آلات بشرية تتحرك بلا روح ،
لقد حذرنا القرآن الكريم من قسوة القلوب وجفافها كالحجارة حين قال تعالى: "ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً"،
كما جاء في الإنجيل المقدس تنبيه دقيق لعلامات آخر الأيام وموت العاطفة حيث يقول: "وَلِكَثْرَةِ الإِثْمِ تَبْرُدُ مَحَبَّةُ الْكَثِيرِينَ".
فهل نترك قلوبنا تبرد حتى تتلاشى آدميتنا ، أم نستجيب لطوق النجاة الأخير .؟
هل يعقل أن نصل إلى حد تصبح فيه الدماء الروابط الأقرب أرخص ما يراق؟ خاصة بعد أن استيقظ مجتمعنا على فواجع تنبأ بانهيار قيمي مرعب ؛ حيث تقتل الابنة أمها بدم بارد إرضاءً لعشيقها ، وأخرى تمزق جسد والدتها طوال ثلاثة أيام دون أن يهتز لها جفن ، وابن يتجرد من فطرته ليقتل أباه ،
إن هذا الجفاء القاتل يتنافى تماماً مع الكتب السماوية التي دعت إلى البر والرحمة ؛ فالقرآن الكريم يأمرنا بأعلى درجات الإحسان للوالدين ويقول : "وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا"،
بينما يؤكد الإنجيل المقدس على جوهر المحبة ومصدرها الإلهي في رسالة يوحنا الأولى: "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لِنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ هِيَ مِنَ اللهِ، وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ وَيَعْرِفُ اللهَ" ،
إننا أمام منعطف خطير يتطلب وقفة حازمة مع أنفسنا لنسترد دفء القلوب وضمان بقائنا كبش
لم تقف قسوة القلوب عند حدود الجرائم الأسرية الصادمة فحسب ، بل تسللت بهدوء لتنخر في جسد الزواج، وتحول البيوت التي أُسست لتكون سكناً إلى ساحات صامتة من الجفاء العاطفي ، إن الارتفاع المخيف في نسب الطلاق داخل مجتمعاتنا اليوم ما هو إلا انعكاس مباشر لغياب الحب والرحمة من تفاصيل الحياة اليومية ، بعد ان استبدل الكثيرون لغة المودة والتسامح بلغة العناد والمصالح الضيقة، فصارت البيوت مجرد جدران باردة تجمع غرباء تحت سقف واحد ، وحين يغيب الحب ، يختفي الصبر ، وتتحول أصغر الخلافات إلى معارك طاحنة تنتهي بهدم الأسر وتشريد الأطفال ، لقد نسينا أن الزواج في جوهره هو ميثاق غليظ يقوم على الفضل لا العدل، وأن غياب العاطفة الصادقة يجعل من استمرار الحياة المشتركة عبئا لا يطاق ،
والأشد مرارة من هدم البيوت القائمة، هو خنق الحب في مهده وعرقلة بناء بيوت جديدة بسبب طغيان المظاهر والنزعات المادية الجافة ، لقد تحولت فترة الخطوبة، التي ينبغي أن تكون مساحة لبناء الألفة وفهم الأرواح ، إلى بورصة للتباهي والتفاخر بالممتلكات؛ حيث بات "الشوار" وتجهيز العروسين ساحة حرب تدار بالورقة والقلم ، كم من قصة حب واعدة ومبشرة تحطمت على صخرة الطلبات المادية المبالغ فيها ..!
وكم من خطوبة فُسخت وتبددت معها أحلام الشباب لأن الفساتين، والأجهزة، والمظاهر الخداعة غدت أثمن لدى الأهل من معدن الرجل وصلاح الفتاة ..!
لقد استبدلنا القيمة بالثمن ، فصرنا نشتري المظاهر بأغلى الأثمان ونبيع القلوب والأنفس بأرخصها ، متناسين أن البيوت تُبنى على المودة والرحمة لا على عدد الأجهزة ومساحات الاستعراض الفارغة التي لا تمنح دفئاً ولا تشتري سعادة ، إن هذه الصرخة ليست مجرد رصد لواقع أليم ، بل هي ناقوس خطر يدق في ضمير كل واحد منا ، إن الجرائم التي هزت فِطرتنا ، وبيوتنا التي تفرقت بالطلاق ، وأحلام شبابنا التي تحطمت على صخرة الماديات ، كلها شواهد تؤكد أننا بتنا على شفا جرف هارٍ إذا لم نتدارك أنفسنا ، العلاج لا يبدأ بالقوانين وحدهـا ، بل يبدأ من داخلنا ؛ لنفتح نوافذ البيوت ليدخلها دفء الكلمة الطيبة ، ولنُيسر سُبل الحلال لينمو الحب في أرض صالحة ، وأن طوق النجاة الوحيد المتبقي لنا في هذا العصر البارد هو أن نرحم بعضنا بعضاً ليرحمنا من في السماء ، دعونا نطوي سويا صفحة الجفاء ، ونسترد إنسانيتنا المفقودة ، ليعود الحب نابضاً في القلوب ، آمناً في البيوت ، وحياً في مجتمعاتنا ويشهد الله انى احبكم في الله .