مساحة إعلانية
بقلم: . أبو الحجاج عطيتو
في آخر يوم من الامتحانات، لا تنتهي الصدمة بخروج الطلاب من اللجان، بل تبدأ بمشهد يكاد يتكرر كل عام حتى أصبح وكأنه أمر طبيعي.
كتب ممزقة تملأ ساحات المدارس والشوارع، أوراق تتطاير مع الرياح، ألوان تُلقى على الوجوه والملابس، ومقاعد تُكسر، وأبواب تُخلع، وشبابيك تتحطم، ومراوح تُتلف... ثم ينصرف الجميع وكأن شيئًا لم يكن.
وأقف متسائلًا في ألم:
من الذي نجح في الامتحان؟ ومن الذي سقط فيه؟
هل سقط الطالب الذي مزق كتابه؟
أم سقطت الأسرة التي لم تغرس فيه احترام العلم؟
أم سقطت المدرسة التي عجزت عن ترسيخ قيمة الانتماء؟
أم سقط المجتمع كله عندما أصبح يرى هذا المشهد ثم يمر عليه مرور الكرام؟
ليس الكتاب مجرد أوراق وحبر.
إنه ساعات من الجهد، وأموال أنفقتها الدولة، وتعب معلمين، وأمل أسرة، ورسالة أمة تؤمن أن مستقبلها يبدأ من صفحة في كتاب.
وحين يتحول الكتاب إلى أشلاء تحت الأقدام، فإن الذي يُمزق في الحقيقة ليس الورق، بل قيمة العلم نفسها.
والمؤلم أكثر أن الاعتداء لا يتوقف عند الكتاب، بل يمتد إلى المدرسة ذاتها.
تلك الجدران التي احتضنت أحلامهم، وتلك المقاعد التي جلسوا عليها سنوات، وتلك الفصول التي تعلموا فيها الحروف الأولى... تصبح هدفًا للتكسير والتخريب وكأنها عدو يجب الانتقام منه.
أي رسالة نرسلها لأبنائنا عندما يظنون أن الاحتفال يعني الإفساد؟
وأي وعي نصنعه عندما يصبح الفرح مرادفًا للفوضى؟
وأي مستقبل ننتظره من جيل لا يدرك أن الحفاظ على المال العام جزء من الحفاظ على كرامة الوطن؟
المشكلة ليست في جينات أبنائنا، فالجينات لم تتغير.
الذي تغير هو منظومة القيم عند البعض، حين تراجع دور القدوة، وضعف سلطان التربية، وانشغل الجميع بالدرجات والنسب المئوية، بينما أهملوا بناء الإنسان.
لقد أصبحنا نحتفل بالنجاح في المواد الدراسية، ونغفل النجاح في الأخلاق.
وأصبحنا نفرح بالشهادات، بينما نتجاهل السلوك.
وكأن العلم يمكن أن يعيش منفصلًا عن القيم.
إن بناء المدارس يكلف الملايين، لكن بناء الضمير لا يحتاج إلا إلى أب صالح، وأم واعية، ومعلم مخلص، وإعلام مسؤول، ومجتمع يرفض الخطأ ولا يبرره.
أعيدوا للكتاب هيبته.
وأعيدوا للمدرسة مكانتها.
وأعيدوا للمعلم احترامه.
وأعيدوا للتربية دورها الحقيقي.
فالأوطان لا تُبنى بالإسمنت وحده، بل تُبنى بالعقول التي تحترم العلم، والقلوب التي تعرف قيمة الانتماء، والنفوس التي تدرك أن ما هو ملك للجميع ليس مباحًا لأحد.
وفي النهاية، ليس السؤال: لماذا مزق بعض الطلاب كتبهم؟
بل السؤال الذي يجب أن يؤرق ضمير المجتمع كله:
كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها أول احتفال بالنجاح... هو أول اعتداء على قيمة العلم؟