مساحة إعلانية
هناك لحظة في حياة كل مستثمر يقف فيها أمام مفترق طرق، لا يراه أحد سواه: صوتٌ يهمس له بأن يقطف اليوم ما تبقى من الشجرة قبل أن يذبل، وصوت آخر أعمق يدعوه ليغرس بذرة لا يعرف يقينًا من سيجني ثمارها.
وبين الصوتين، تُكتب قصة كل أقتصاد: إما أقتصاد يعيش على لحظته، أو أقتصاد يبني لمن يأتي بعده.
وأنا، بعد سنوات طويلة في هذا الميدان، أخترت جانبي منذ زمن... واليوم أروي لماذا.
هناك نوعان من رجال المال: من يبحث عن ربح يُقطف اليوم، ومن يزرع أرضًا يعرف أن ثمارها الحقيقية لن تنضج إلا بعد سنين ؛ والفارق بينهما ليس في الجرأة، فكلاهما يجازف، بل في نوع الرهان الذي يختاره كل منهما.
حين يكون الأمان وهمًا مؤقتًا
لا أُنكر أن العقار كان وسيظل ملاذًا آمنًا في أوقات كثيرة، فهو أرض تُلمس وحجر يُرى، وهذا في حد ذاته طمأنينة يفهمها كل مستثمر ؛ لكن الأمان الحقيقي ليس فيما نراه بأعيننا فحسب، بل فيما يبني قيمة تتراكم مع الزمن.
والصناعة والتكنولوجيا، رغم أن ثمارهما أبطأ ظهورًا، تحملان من الأمان نوعًا أعمق: أمان الأمة التي تصنع حاجتها بيدها، ولا تنتظر قرارًا من الخارج ليكتمل مشروعها.
الربح السريع لا يبني وطنًا.....
المستثمر الذي يبحث عن عائد سريع يشبه من يعبر النهر ركضًا فوق حجارة متناثرة: قد يصل، لكنه لا يترك خلفه جسرًا يعبر عليه غيره.
أما من يستثمر في الصناعة والتكنولوجيا، فهو يبني الجسر نفسه، حجرًا فوق حجر، ليعبر عليه أبناؤه ومن بعدهم.
وهذا بالضبط ما تحتاجه مصر اليوم: مستثمرين يرون في كل مصنع يقوم، وفي كل خط إنتاج يعمل، لبنة في أقتصاد لا يهتز مع كل رياح عالمية.
وما يثلج الصدر أننا لسنا في بداية الطريق فارغي اليدين؛ فهناك تجارب مصرية بدأت من ورشة صغيرة أو فكرة جريئة، لتصل اليوم إلى التصدير والمنافسة العالمية.
هذه التجارب لم تُبنَ على وعد بربح سريع، بل على إيمان بأن الصبر على الصناعة هو أصدق أنواع الإستثمار، وأن مصر، بما تملكه من عقول وأيد وسوق واعدة، مؤهلة لأن تكون مركزًا صناعيًا وتقنيًا يُحسب له حساب في المنطقة.
رهان يستحق أن يُخاض
أنا لا أدعو أحدًا لأن يهجر الأمان بحثًا عن المجازفة، بل أدعوه لأن يُعيد تعريف الأمان نفسه.
فالمال الذي يذهب إلى الصناعة والتكنولوجيا لا يبني ربحًا فحسب، بل يبني قدرة وطن على الوقوف على قدميه ؛ وهذا، في النهاية، هو الإستثمار الذي يستحق أن يُروى عنه بعد سنين، لا الذي يُنسى بمجرد أن يُقطف.