مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

سرطان الأقنعة .. يقتل نقاء البشر .. بقلم علاء ابو ابراهيم

2026-06-27 05:23 AM  - 
سرطان الأقنعة .. يقتل نقاء البشر .. بقلم علاء ابو ابراهيم
صورة أرشيفية

اصبحنا نعيش اليوم في مجتمع غريب الأطوار، تحول فيه الواقع اليومي إلى مسرح كبير ومفتوح، يتبادل فيه البعض الأدوار والوجوه بكل براعة ، لقد أصبحت كثرة الأقنعة المزيفة التي يرتديها من حولنا ظاهرة مقلقة تتجاوز حدود المجاملة العابرة، لتتحول إلى مرض اجتماعي ينهش جسد العلاقات الإنسانية
 لم يعد مستغرباً أن تلتقي بشخص يغدق عليك من بحر وده وثنائه، لتكتشف في أول منعطف حقيقي أن خلف هذا القناع الباسم نفساً تتربص بك السوء، مما يضعنا أمام علامات استفهام كبرى حول أسباب هذا التلون الحاد الذي يهدد سلامة مجتمعنا وثقتنا بالآخرين ، إن هذا التزييف الممنهج للمشاعر لا يأتي من فراغ ، بل هو نتاج غياب المصالحة مع الذات والبحث الدائم عن المكاسب البراغماتية السريعة ،
حيث يلجأ الكثيرون إلى ارتداء الوجوه المستعارة كآلية دفاعية مشوهة، خوفاً من الرفض الاجتماعي أو رغبة في الاختباء وراء ستار من المثالية المدعاة
القناع طريقة حياة بعض البشر ، بيختاروا الصورة اللي عايزين الناس تشوفها ويخبوا الحقيقة وراها ، وفي الحياة تلاقي اللي يلبس قناع الصديق وهو اول واحد ينقل كلامك ، وفي العلاقات تلاقي اللي يلبس قناع الحب وهو ابعد ما يكون عن معناه وفي المجتمع تلاقي اللي يلبس قناع الفضيلة وهو في الخفاء يفعل عكس ما يقول والمشكلة ان بعض الاقنعة متقنة لدرجة ان اكتشافها يحتاج وقتا طويلا ومواقف كثيرة
لكن الحياة عندها قدرة غريبة على كشف الأقنعة ، قد ينجح الانسان في التمثيل فترة، لكنه لا يستطيع الاستمرار طوال العمر ، مع اول اختبار حقيقي يسقط القناع ، مع اول مصلحة تتعارض مع الكلام الجميل تظهر الحقيقة ومع اول موقف يحتاج الى شهامة او وفاء او صدق نعرف المعدن الحقيقي للناس
هذا السلوك الانفصامي يعكس هشاشة داخلية عميقة ، حيث يستبدل هؤلاء هويتهم الأصيلة بنسخ مزيفة ترضي غرور الآخرين ومصالحهم على حساب الحقيقة والنقاء
إن الأزمات الحياتية ، والمواقف الصعبة ، والتعاملات المادية المباشرة، هي "المصفاة الحقيقية" والمحك الصارم الذي يسقط عنده كل هذا الزيف وفي تلك اللحظات الفاصلة، تتساقط مساحيق التجميل فجأة ، لتكشف عن المعادن الحقيقية للبشر، وتعري النوايا الخبيثة التي طالما حُجبت خلف عبارات الثناء المصطنعة والابتسامات الباردة
يجب أن نتوقف فوراً عن منح صكوك الثقة العمياء بناءً على بريق البدايات أو الوعود المعسولة، وأن نجعل الأفعال والمواقف الثابتة هي مقياسنا الوحيد والفيصل لتقييم الأفراد من حولنا
وليس المطلوب ان نكشف كل الناس او نشك في الجميع ، لكن المطلوب ان نتعلم قراءة الافعال لا الكلمات ، فالافعال دائما اكثر صدقا من الاقوال والكلمات الجميلة يستطيع اي شخص ان يقولها، اما المواقف فلا يستطيع احد تزويرها طويلا
في نهاية المطاف، ستبقى الأصالة والوضوح هما العملة النادرة والأكثر أماناً في زمن بات يعج بالوجوه المستعارة، فمن لا يملك الشجاعة ليظهر بوجهه الحقيقي، لا يستحق أن يحجز مكاناً في حياتنا.
فاحذروا تلك العقول المريضة التى تتنقل كالوباء وتنمو بسرعة البرق حيث تصنع العذاب والخراب حيثما حلت واحذروا من تلك الوجوه المزيّفة بالأقنعة التي تتنكر تحتها النوايا السلبية والمكائد فالأيام تدور وكل وجه سيسقط قناعه مهما طال الوقت ، فلا تخفي جمالك الحقيقي بأقنعة مؤقتة وارفع رأسك بكونك حقيقي ، ولا تعش ظلام الزيف الأبدي وانطلق نحو نور الوضوح والحقيقة الذي من دونهم ستضل الطريق وستعيش في متاهات ولن تصل لوجهتك في النهاية
وفي النهاية عندما تكون صادقًا وأصيلاً، تكون أكثر جمالًا. فالجمال الحقيقي هو عندما تبدي وجهك الحقيقي الذي خلقك الله عليه، وهو الوجه الذي يعرفه الناس والذي ينبعث منه الخير والرضا… فلا تكن كالذين يخفون وجوههم ويتنكرون، بل كن صادقًا مع نفسك ومع الآخرين في زمن نقابل فيه الكثير من الاقنعة والقليل من الوجوه.
فالمواقف ستكشف لنا معادن الناس ومهما حاول الشخص أن يخفي حقيقته المتصنعة، ومهما طالت العلاقات فنهايتها كفيلة بإسقاط كل الأقنعة المزيفة
 

مساحة إعلانية