مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

سيد طنطاوي يكتب:  ضجيج أسود.. قراءة في الوجه الخفي للألعاب الإلكترونية وموسيقاها

2026-08-03 01:53 PM  - 
سيد طنطاوي يكتب:  ضجيج أسود.. قراءة في الوجه الخفي للألعاب الإلكترونية وموسيقاها
سيد طنطاوي

خلال السنوات الأخيرة لاحظت أن كثير من النشء والمُراهقين سريعو الغضب، ضيقي الأفق، وكثير منهم غير قادر على التفكير لفترة طويلة، وأنهم يختارون أقصر الحلول لا أفضلها، لأن التفكير العميق بالنسبة له أصبح أمرًا مُرهقًا، أو بالأحرى (نفسهم في التفكير قصير).
كنت أتابع هذا الأمر وأظنه أمرًا جينيًا في هذا الجيل، لكن اتضحت الرؤية تمامًا وظهر بدرها وهلالها فيما تناولته الدكتورة سالي سليمان في كتابها ضجيج أسود ما وراء موسيقى الألعاب الإلكترونية.
منذ أن وقعت عيني على غلاف الكتاب ربطُ بين الأمر الذي تابعته بنفسي على كثير من المُراهقين وهو "ضيق خلقهم"، وبين التحليل النفسي لشيء يرتبطون به على مدار ساعات اليوم خاصة في إجازتهم الصيفية.
وضعت الكتاب على جدول قراءاتي، وقبل الاطلاع كنت أسأل نفسي سؤالًا، إذا كان ما لاحظته بسبب الإفراط في الألعاب الإلكترونية أو إدمانها فكيف يُمكن حل الأمر، خاصة أن هناك مدمنين لهذه الألعاب.
قرأت الكتاب فإذا بي أجد تشخيصًا علميًا، "يفصص"  المشكلة ويحللها علميًا، بل ويبين بين سطوره أهمية فض الاشتباك بين المُراهقين وهذه الألعاب تدريجيًا.
بدأت الدكتورة سالي سليمان بالتشخيص ثم التحليل إذ بدأت بالألعاب الإلكترونية وفسرت نشأتها وتطورها وأسباب ممارستها ومجالاتها وأنواعها، وانتقلت إلى تحليل لاعبيها، وألقت الضوء على النظريات المُفسرة لها والآثار الناجمة عنها وتعرضت لأشهرها وموسيقاها أيضًا كانت على رأس التحليل.


ولأنني أبحث عن تفسير للظاهرة التي رصدتها وصلت إلى تعريف للألعاب الإلكترونية تقول فيه: نوع من الألعاب تظهر على الشاشة يتمتع بلعبها الفرد يرافقها حالة من الاضطراب والتوتر والترقب.
وهذه حالة لاحظتها مع نفسي أنني قبل سنوات تزيد على الـ15 عامًا كنت أمارس هذه الألعاب وأشعر بتوتر أثناء لعبها وبعد الانتهاء منها أجد نفسي مرهقًا نفسيًا إلى أبعد حد، وبالتالي تعريف وتوصيف د. سالي في محله.
قطعًا، هنا توقفت كثيرًا عند انتشار مفهوم  "السايبر" في مجتمعاتنا قبل سنوات وكان انتشارًا كالنار في الهشيم، وكيف أنها كانت نوادي بلا رقابة.. وهذا يضاعف من درجة خطورتها.
توقفت أيضًا عند حوادث عدة بسبب الألعاب الإلكترونية منها الحوت الأزرق وبابجي، فالأولى كان لها ضحايا وانتحار والثانية أطفال كثيرون للأسف مدوا أيديهم وسرقوا ليشتروا أشياءً في اللعبة.
ومن أجل مزيد من العمق في تحليل ضرر الألعاب الإلكترونية وموسيقاها، أرخت المؤلفة لنشأة هذه الألعاب بداية من ستينيات  القرن الماضي وهذا التأريخ ضروري لمعرفة الجذور والبدايات والمفارقة أنني وجدت لأول مرة سبب تسمية الألعاب الإلكترونية باسم "أتاري" في تسعينيات  القرن الماضي، وهو أنه عام 1972 قامت شركة أتاري (ATARI) بعمل وحدة ألعاب منزلية يتم ممارستها على الحاسب الآلي.
فسر الكتاب أيضًا لماذا يسقط الطفل أو المراهق في براثن الألعاب الإلكترونية، وغالبًا من يسقطون في هذا الوحل يكونون غير راضين عن حياتهم فيهربون إلى الألعاب الإلكترونية فيحققون فيها نجاحات افتراضية، أي أنه هروب من واقع سوداوي لا يجد فيه نفسه إلى ألعاب تجعله أسيرًا لها، وهناك مستويات لممارسي هذه الألعاب ما بين العاديين والمنتظمين في لعبها والمفرطون ثم المدمنون وهم الأخطر لأنهم لا يستطيعون مقاومة الدافع الداخلي في اللعب بل أصبحوا أسرى للعبة.
المثير أن هناك دراسات علمية وثقت أن مدمني الألعاب الإلكترونية يكون لديهم سلوكًا عدوانيًا ولا يستطيعون التحكم في الوقت، وربما هذا هو تفسير أن البعض يستغرب الجرائم التي تقع بشكل مفاجئ من ممارسي هذه الألعاب لدرجة أن البعض لا يصدقها أبدًا ويشكك فيها، وهذا ما لخصته المؤلفة في كلمات قصيرة جدًا على غلاف الكتاب قالت فيها: "كان صديقي لعبنا معًا ثم قتلني".
أشارت المؤلفة أيضًا إلى أن الكارثة في أن أولياء الأمور لا يرون خطرًا في الألعاب الإلكترونية، بل هناك من يفرح بأن ابنه أصبح أسيرًا في اللعبة لأنها منعته من الجلوس مع أصدقاء السوء، لكن الحقيقة هو جلس مع أخطر جليس سوء مميكن.
الموسيقى المصاحبة للألعاب الإلكترونية أيضًا شريك فيما قد يُرتكب من جرائم، فذهبت المؤلفة إلى القول بأن موسيقى الميتال المصاحبة للعديد من الألعاب لها علماء نفس ومتخصصين وشعراء وملحنين يقدمونها وهي تصل برسائل يتقبلها العقل الباطن للمستمع حتى وإن كان جاهلًا باللغة التي تُغنى بها الأغنية. 
كما تعرضت الكاتبة لموسيقى مثل HARD ROCK
Heavy Metal
Death Metal
Black Metal
وقالت إن هذه الأنواع من الموسيقى تتطور لتصبح نمطًا يعاش وتتحكم بعقلية ونفسية مستمعيها، موضحة أن موسيقى Hard Rock قادت كثيرين إلى المخدرات وكثير من عازفيها ومغنييها من مدمني المخدرات.
الخطر الجسدي الكبير الذي تحدثه الموسيقى وثقته المؤلفة في تأكيد مجموعة بوب ليرسن الطبية أن الترددات والاهتزازات الناجمة عن إيقاعات الجيتار باص  تؤثر بشكل كبير على النخاع الشوكي ويؤثر هذا السائل على الغدة الدرقية المسئولة عن تنظيم التناسق في الجسم فتهبط مختلف وظائف التحكم العصبي إلا أن التأثير الأساسي موجه إلى المخ ومُبرمج ليضغط على الوعي.
هذا الكتاب أجاد التشخيص، رغم أنه أكثر في التعميمات بدون أرقام دقيقة فقال (كثير من) كثيرًا، وكان يجب أن يشير إلى دراسات علمية كثيرة ليتيح الاطلاع على مصادر أكثر.
كل من لديه طفل أو مراهق أسير للألعاب الإلكترونية عليه أن ينظر في مرآة هذا الكتاب، سيجد إجابات عن أسئلة دارت في ذهنه، لكنه لم يكن قادرًا على أن يصيغها في صورة سؤال، الآن لدينا السؤال والجواب.. والتأخير في المواجهة جريمة أكبر من جرائم الألعاب الإلكترونية.

مساحة إعلانية