مساحة إعلانية
مع حلول ذكرى الثالث والعشرين من يوليو من كل عام، يتجدد الجدل حول ثورة يوليو 1952؛ بين من يراها نقطة انطلاق نحو بناء الدولة الحديثة، ومن يعتبرها بداية لمسار مختلف حمل معه كثيرًا من الإخفاقات. وهذا الجدل في حد ذاته صحي ومشروع، لأن التاريخ لا يُكتب برواية واحدة، ولا يُقرأ بعين واحدة.
غير أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في اختلاف التقييم، وإنما في اختزال تاريخ أمة كاملة داخل عبارات متداولة أو منشورات سريعة على مواقع التواصل الاجتماعي، تُردد دون بحث أو تمحيص، حتى أصبحت لدى البعض حقائق لا تقبل النقاش.
ليس دفاعًا عن الثورة... ولا هجومًا عليها
لست بصدد الدفاع عن ثورة يوليو، كما أنني لا أسعى إلى إدانتها، ولا إلى حسم الجدل القديم حول توصيفها: هل كانت ثورة أم حركة أم انقلابًا عسكريًا تحول لاحقًا إلى ثورة ؟
ما يعنيني هو شيء واحد فقط: احترام التاريخ.
فالتاريخ لا يُكتب بالعاطفة، ولا تُبنى الأحكام على الحنين أو الكراهية، وإنما على المعرفة والوثائق والقراءة المتأنية للأحداث وسياقاتها.
التاريخ لا يبدأ في 23 يوليو
من يريد إصدار حكم عادل على ما جرى ليلة الثالث والعشرين من يوليو 1952، فعليه أولًا أن يقرأ ما سبقها، لا أن يبدأ منها.
عليه أن يعرف كيف عاشت مصر عقودًا طويلة تحت النفوذ البريطاني، وكيف تشكلت الحركة الوطنية، وما قدمه المصريون من تضحيات جسام في سبيل الاستقلال الحقيقي.
وعليه أن يتوقف طويلًا أمام معركة الإسماعيلية في 25 يناير 1952، وما أعقبها من حريق القاهرة، وأن يدرك كيف كانت البلاد تعيش أزمة سياسية ودستورية واجتماعية معقدة، في ظل آثار الحربين العالميتين وتداعيات الاحتلال الأجنبي.
فلا يمكن فهم النهاية دون معرفة البداية، ولا قراءة النتيجة بمعزل عن أسبابها.
بين الحقائق والشعارات
من حق أي مواطن أن يحن إلى عهد الملكية، أو أن يرى في ثورة يوليو مشروعًا يستحق التقدير أو النقد.
لكن ليس من حق أحد أن يحاكم التاريخ بشعارات من نوع: "كان الجنيه أقوى"، أو "كنا دائنين لبريطانيا"، أو أن يرد على ذلك بشعارات مضادة مثل "الثورة منحت أبناء الفلاحين والتعليم المجاني"، دون أن يضع هذه الوقائع في سياقها التاريخي والاقتصادي والاجتماعي.
فالحقائق التاريخية لا تُنتقى وفق الميول، وإنما تُقرأ كاملة، بما لها وما عليها.
التاريخ صفحة كاملة... لا سطرًا واحدًا
الأمم التي تحترم نفسها لا تمحو مراحلها، ولا تتعامل مع تاريخها بمنطق الأبيض والأسود.
فلا تُقدّس الأشخاص، ولا تُشيطنهم، وإنما تدرس تجاربهم، وتستخلص منها الدروس.
ولهذا فإن تاريخ مصر لا يبدأ بسقوط الملك فاروق، ولا ينتهي بقيام نظام جديد، بل هو سلسلة متصلة من الوقائع، لكل مرحلة ظروفها، ولكل قرار أسبابه، ولكل عصر نجاحاته وإخفاقاته.
احترام التاريخ... احترام للوطن
الاحتفال بالمناسبات الوطنية لا يعني إنكار ما سبقها، كما أن استحضار صور الماضي لا ينبغي أن يكون وسيلة لإلغاء ما تلاه.
فالوطن لا يُبنى بالحنين وحده، ولا بالغضب وحده، وإنما بالوعي.
ومن يختلف مع ثورة يوليو له كامل الحق في ذلك، ومن يراها محطة فارقة له الحق أيضًا، لكن يبقى واجب الجميع أن يكون الاختلاف قائمًا على المعرفة، لا على الروايات المبتورة أو العبارات الرائجة.
كلمة أخيرة
ليست القضية أن تمجّد ثورة يوليو أو تنتقدها، ولا أن تنحاز إلى الملكية أو الجمهورية.
القضية الحقيقية أن تمنح التاريخ حقه في القراءة، وأن تمنح الحقيقة فرصة قبل أن تُصدر حكمك.
فحين نقرأ تاريخنا كاملًا، بعيدًا عن الانتقاء والهوى، يصبح اختلافنا أكثر احترامًا، وأحكامنا أكثر إنصافًا، ويصبح وعينا بالتاريخ جزءًا من وعينا بالوطن.
فالتاريخ ليس خصمًا لأحد... لكنه لا ينصف إلا من يقرأه بعقلٍ منصف، لا بعاطفةٍ عابرة.