مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

صابر سكر يكتب:حق الدفاع وحياد القاضي.. ضمانتان للمحاكمة العادلة

2026-10-10 12:21 PM  - 
صابر سكر يكتب:حق الدفاع وحياد القاضي.. ضمانتان للمحاكمة العادلة
صابر سكر

من المبادئ المستقرة في الفقه الإسلامي أن القاضي لا ينبغي له أن يفصل في الخصومات وهو واقع تحت تأثير الغضب أو السخط أو أي انفعال من شأنه التأثير في اتزانه النفسي، وذلك ضمانًا لاستقرار نفسه على الاعتدال والتوازن، بما يعينه على تحقيق العدل ويجنبه الميل والجور في الحكم.
فالقضاء ليس مجرد إصدار أحكام، وإنما هو أمانة ومسؤولية تقتضيان التجرد والإنصاف، والاستماع إلى الخصوم على قدم المساواة، وتمكين كل طرف من عرض دفاعه وأدلته وحججه بحرية، دون تمييز بين خصم وآخر بسبب مكانته أو صفته أو نفوذه.
وقد عبّر الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، عن هذه المبادئ في رسالته الشهيرة إلى أبي موسى الأشعري حين ولاه القضاء، مؤكدًا أهمية الفهم الدقيق للخصومة، والعدل بين الناس في المجلس والوجه والقضاء، وعدم التمييزه بين الشريف والضعيف.
وجاء في الرسالة:
«افهم إذا أُدلي إليك، وانفذ إذا تبين لك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، وآسِ بين الناس في مجلسك ووجهك وقضائك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك».
كما تضمنت الرسالة تأكيدًا لعدد من القواعد الأساسية لتحقيق العدالة، من بينها أن البينة على من ادعى، واليمينه على من أنكر، وضرورة إمهال من يدعي حقًا غائبًا أو يحتاج إلى تقديم بينة، مع التأكيد على أهمية التروي والفهم قبل الفصل في النزاع.
وحذّر عمر بن الخطاب القاضي من الغضب والقلق والضجر، ومن التضجر بالناس أو إظهار النفور من الخصوم، لما قد يترتب على ذلك من تأثير في سلامة النظر والفصل في الخصومات.
وتتفق هذه المعاني مع ما قرره القرآن الكريم من أهمية الرفق واللين، في قوله تعالى مخاطبًا النبي صلى الله عليه وسلم:
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.
ومن المبادئ الجوهرية التي تقوم عليها العدالة كذلك مبدأ المساواة بين الخصوم، بحيث يشعر كل طرف، مهما كان شأنه أو مركزه، بأنه يقف أمام القضاء على قدم المساواة مع خصمه، وأن له الحق الكامل في عرض دفاعه وتقديم أدلته وحججه، دون انتقاص منه حقوقه أو تمييز ضده.
ولا تقتصر هذه المساواة على إتاحة الفرصة للخصوم لتقديم دفاعهم فحسب، بل تمتد إلى ضرورة تمكينهم من التعبير عن آرائهم في المسائل المتعلقة بالخصومة، في إطار القانون وضوابطه، دون أن يكون اختلاف الرأي أو عدمه استحسانه سببًا في مصادرة حق الدفاع.
فإذا أبدى أحد الخصوم رأيًا لا يروق لخصمه، فإن الطريق الصحيح للرد عليه هو تقديم الحجة ومناقشة الأدلة والاحتكام إلى القانون، وليس الغضب أو التضييق على الطرف الآخر أو حرمانه من حقه في إبداء دفاعه.
فالعدالة لا تتحقق بمجرد تطبيق النصوص القانونية، وإنما تقتضي أيضًا توفير الضمانات التي تكفل للخصوم الاطمئنان إلى حياد المحكمة، والثقة في أن الفصل في النزاع يقوم على الأدلة والحجج، بعيدًا عن الانفعال أو الميل الشخصي...
وتلك كانت مقدمة لازمة للمقال القادم عن موضوع دعوي رد القاضي، وما يرتبط به من وقائع وأسانيد قانونية تستوجب مناقشتها وضمانات التقاضي

مساحة إعلانية