مساحة إعلانية
متى تتحول من دليل إدانة إلى وسيلة لنفي الاتهام؟
تُعد تحريات المباحث من المسائل المهمة في القضايا الجنائية، لما قد يكون لها من دور في كشف ملابسات الواقعة وتحديد المشتبه فيهم، والاستدلال على الأدلة التي تساعد جهات التحقيق والمحاكمة في الوصول إلى الحقيقة.
لكن هل تعني كتابة ضابط المباحث في محضره أن المتهم ارتكب الجريمة بالفعل؟ وهل يمكن أن تتحول التحريات، التي يُعوّل عليها أحيانًا في توجيه الاتهام، إلى أحد أوجه الدفاع التي يستند إليها المحامي لإثبات قصورها أو عدم جديتها؟
الإجابة من خلال "موقع جريدة منبر التحرير " للتوعية من خلال الفقه والقانون وأحكام محكمة النقض ومايفرزه الواقع العملي نقول أن التحريات ليست حقيقة مطلقة، ولا دليلًا مستقلًا كافيًا بذاته للإدانة، وإنما تخضع لتقدير المحكمة في ضوء ظروف الدعوى وأدلتها الأخرى. وهنا تظهر أهمية القراءة القانونية الدقيقة لمحاضر التحريات، والبحث في مدى جديتها واتساقها مع الوقائع والأدلة الفنية.
أولًا: التحريات الجدية.. بين البحث الفعلي والاعتماد على المصادر السرية
الأصل أن التحريات التي تجريها أجهزة البحث الجنائي تستهدف جمع المعلومات عن الواقعة وظروفها والأشخاص المتصلين بها، بما يساعد في كشف الحقيقة.
لكن الإشكالية تظهر عندما تكون التحريات قاصرة، أو لا تكشف عن أساس المعلومات التي انتهى إليها محررها، أو تقتصر على ترديد أقوال المجني عليه دون أن تتضمن ما يكشف عن بذل جهد حقيقي للتحقق منها.
ولا يعني ذلك أن اعتماد الضابط على مصادره السرية يُبطل التحريات تلقائيًا، أو أن عدم إجراء معاينة ميدانية يجعلها بالضرورة عديمة القيمة؛ فالأمر يتوقف على طبيعة الواقعة وظروفها، ومدى جدية التحريات، وما إذا كانت تؤيدها أدلة أخرى أم تتعارض معها.
ومن ثم، فإن السؤال القانوني المهم ليس مجرد ما إذا كان الضابط قد أجرى تحرياته، وإنما مدى كفاية هذه التحريات، والأساس الذي استندت إليه، ومدى اتساق نتائجها مع سائر عناصر الدعوى.
ثانيًا: قصور التحريات وتناقضها مع الأدلة الفنية
من أوجه الدفاع المهمة في القضايا الجنائية بحث مدى قدرة التحريات على تحديد دور المتهم تحديدًا واضحًا، ومدى توافق ما انتهت إليه مع الأدلة المادية والفنية المقدمة في الدعوى.
فإذا نسبت التحريات إلى المتهم ارتكاب الواقعة دون أن تكشف، في حدود ما يلزم لتقييم جديتها، عن أساس هذه النتيجة، أو جاءت أقوال محررها متعارضة مع دليل فني ثابت بالأوراق، فإن ذلك قد يثير شكوكًا جدية تستوجب مناقشة مدى التعويل عليها.
ومن الأمثلة على ذلك أن تنسب التحريات إلى المتهم وجوده في مكان معين أو قيامه بدور محدد في ارتكاب الجريمة، بينما تشير الأدلة الفنية أو المستندات إلى وقائع تتعارض مع هذه النتيجة.
وفي هذه الحالة، لا يكفي التمسك بمجرد إنكار المتهم للاتهام، بل تبرز أهمية تحديد أوجه التناقض بدقة، وبيان أثرها في سلامة الاستدلال، وطرحها على المحكمة في إطار دفاع قانوني يستند إلى أوراق الدعوى.
فالعبرة ليست بمجرد وجود التحريات في ملف القضية، وإنما بمدى صلاحيتها للاستدلال، ومدى توافقها مع الأدلة الأخرى المطروحة على المحكمة.
ثالثًا: القاعدة القانونية.. التحريات وحدها لا تكفي للإدانة
استقر قضاء محكمة النقض المصرية على أن التحريات، باعتبارها تعبيرًا عن رأي مجريها، لا تصلح وحدها دليلًا كافيًا للإدانة، وإنما تخضع لتقدير المحكمة، ولا بد من النظر إليها في ضوء أدلة الدعوى الأخرى.
ومؤدى ذلك أن التحريات لا تكتسب قوة الدليل القاطع لمجرد تحريرها بمعرفة أحد ضباط الشرطة، كما لا تصبح بمنأى عن المناقشة لمجرد ورودها في محضر رسمي.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين عدم كفاية التحريات وحدها للإدانة وبين بطلانها؛ فقصور التحريات لا يؤدي تلقائيًا إلى بطلان إجراءات الدعوى أو سقوط الاتهام، وإنما يتحدد أثره وفقًا لظروف القضية، وطبيعة الدليل المستمد منها، ومدى وجود أدلة أخرى يمكن للمحكمة التعويل عليها.
فقد ترى المحكمة أن التحريات لا تكفي وحدها لتكوين عقيدتها بالإدانة، وقد تستأنس بها إلى جانب أدلة أخرى متى اطمأنت إلى سلامة الاستدلال بها.
ومن هنا، فإن دور الدفاع لا يقتصر على الطعن في التحريات بصورة عامة، وإنما يمتد إلى تحليل مضمونها، ومناقشة مدى جديتها، والكشف عن أوجه القصور والتناقض بينها وبين بقية أدلة الدعوى.
رابعًا: كيف يستفيد المحامي من أوجه القصور في التحريات؟
تتطلب مناقشة التحريات قراءة دقيقة لأوراق القضية، وربط المعلومات الواردة فيها بالأدلة المادية والفنية وأقوال الشهود، مع مراعاة طبيعة كل واقعة وظروفها.
ومن أبرز المسائل التي يمكن بحثها في هذا السياق:
مدى جدية التحريات: وهل تكشف عن أساس معقول للنتائج التي انتهى إليها محررها؟
تحديد دور المتهم: وهل حددت التحريات دوره في الواقعة تحديدًا واضحًا، أم اكتفت بعبارات عامة؟
مدى استقلال التحريات: وهل تتضمن معلومات جرى التحقق منها، أم تقتصر على ترديد أقوال مصدر آخر دون ما يكشف عن التثبت منها؟
التوافق مع الأدلة الفنية: وهل تتفق نتائج التحريات مع التقارير الفنية والمستندات وسائر الأدلة المطروحة؟
التناقضات الجوهرية: وهل توجد اختلافات مؤثرة بين ما ورد بالتحريات وما ثبت بالأوراق، بما يستوجب مناقشتها أمام المحكمة؟
ولا تُعد هذه المسائل أسبابًا آلية لاستبعاد التحريات، وإنما عناصر يقدّر الدفاع أهميتها بحسب ظروف كل قضية، ومدى تأثيرها في تكوين عقيدة المحكمة.
في النهاية نري إن محضر التحريات ليس حكمًا بالإدانة، كما أن الطعن في جديته لا يعني بالضرورة انتهاء الاتهام أو القضاء بالبراءة؛ فلكل قضية ظروفها وأدلتها التي تُفحص بصورة مستقلة ومتكاملة.
والقاعدة الأساسية أن الإدانة الجنائية يجب أن تقوم على أدلة تكفي لتكوين عقيدة المحكمة وفقًا للقانون، لا على مجرد الظن أو الترديد غير المدعوم بقرائن وأدلة معتبرة .
وهنا تظهر أهمية دور المحامي في فحص التحريات، ومقارنتها ببقية أدلة الدعوى، وتحديد أوجه القصور أو التناقض المؤثرة فيها، وصولًا إلى عرض دفاع قانوني جاد يستهدف الوصول إلى الحقيقة وتحقيق العدالة.
السؤال الجدير بالمناقشه
، هل تحريات المباحث دائمًا دقيقة ومعبرة عن الحقيقة، أم أنها قد تؤدي أحيانًا إلى اتهام بريء؟
ننتظر آراء القراء