مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

صراع الحياة وظلال القبر .. بقلم علاء أبو إبراهيم

2026-10-03 11:39 AM  - 
صراع الحياة وظلال القبر .. بقلم علاء أبو إبراهيم
علاء أبو إبراهيم

تولد الروح في غمرة الضياء، فيكون الميلاد أولى عتبات الوجود، وتلك البداية الشغوفة التي نخطو فيها نحو الحياة بقلوب خافقة وعيون يملؤها الأمل. نركض في ميادين العمر, تارة تضحك لنا الدنيا وتارة تبكينا، ونحسب في غفلة الصبا أن الأيام سرمدية لا تغيب شمسها. لكن، وسط هذا الصخب كله، يلوح في الأفق اليقين الأكبر؛ الأكيد في الأمر الذي لا يجرؤ أحد على إنكاره، هو أن يد الأيام تلك اليد الخفية القاسية والحانية في آن واحد تظل تمضي بنا، تسرق من أعمارنا الثواني والدقائق، وفي آخرها تزق العباد زقاً نحو القبر.. نحو دثار من تراب وصمت طويل. 
هناك، عند عتبة النهاية، تسقط كل الأقنعة وتتلاشى الزينة الزائفة، لتتجلى الحقيقة عارية مجردة من كل وهم؛ حقيقة أننا لم نكن سوى مسافرين في رحلة قصيرة، وأن الموت ليس نهاية الوجود، بل هو المرآة الصادقة التي تعيد صياغة معنى الميلاد
وفي جوف هذا الرحيل، يعيش في أعماق كل إنسان صراع أزلي صامت، يتأرجح بين قلب ينبض بالشوق الجارف للحياة وعقل يرتجف خوفاً من النهاية. نحن الكائنات الوحيدة التي تعيش وهي واعية تماماً بوعود موتها، ومع ذلك، نبني البيوت وكأننا سنخلد، ونعشق وكأن الفراق لم يُخلق. هذا التناقض الصارخ ليس عبثاً، بل هو سر الوجود الذي يجعل لكل لحظة نعيشها قيمة لا تُقدّر بثمن. 
إن سكرة الشوق إلى الحياة تدفعنا للهروب إلى الأمام، نتشبث بدفء الشمس، وبأصوات من نحب، وبنجاحات نخلّد بها أسماءنا، نتجاهل يد الأيام لا جهلاً بها، بل لأن الروح بطبيعتها تنفر من العدم وتهوى البقاء.
لكن، مهما طال الهروب، يأتي حين من الدهر—في جوف ليل مظلم، أو عند وداع عزيز—يقرع فيه الخوف من النهاية أبواب قلوبنا بعنف، ليس ذعراً من الموت ذاته، بل جزعاً من أن تنتهي الحكاية دون أن نكتفي من الحياة، أو أن نُطوى في القبر دون أن نترك وراءنا ما يشفع لنا أو يبقي ذكرانا حية.
 وبين مطرقة هذا الشوق وسندان ذلك الخوف, يجد الإنسان العاقل توازنه الحقيقي، فيدرك أن الخوف من الموت لا ينبغي أن يكون شللاً للحياة، بل يجب أن يكون المحفز الأكبر لعمرانها؛ فلولا الموت، لما كان للوقت قيمة، ولما كان للعناق دفء، ولما سعينا لنكون أفضل
وعندما تطأ أقدامنا عتبات المستشفيات، تتبدد كل أوهام القوة والخلود؛ هناك حيث تفوح رائحة الوجع وتتردد أصداء الآهات، نجد الموت قريباً منا جداً، يربض في الممرات، ويتسلل بين الأجهزة، وينتظر في عيون الراحلين. في تلك اللحظة الفارقة بين زفير يخرج ولا يعود، وبين نبضة تقاوم على شاشة باردة، يدرك الإنسان كم هو واهن وهش، وأن كل نفوذه وأمواله وصراعاته لا تزن شيئاً أمام نفحة حياة واحدة. إن المستشفى ليس مجرد مكان للعلاج، بل هو المحطة الأكثر صدقاً ومواجهة مع الحقيقة، حيث نرى بأعيننا كيف تخوننا الأجساد، وكيف تتحول أجساد أحبائنا في لمح البصر من كتلة من المشاعر والحركة إلى جسد ساكن ينتظر التراب
هذا القرب المرعب من الموت في مشافينا لا يأتي ليكسر قلوبنا فحسب، بل ليوقظ أرواحنا من غفلتها، ويعيد ترتيب أولوياتنا، فكل من يخرج من تلك الأبواب معافى، يخرج بنفَس جديد، مدركاً أن الحياة هبة مؤقتة، وأن يد الأيام التي تزق العباد للقبر قد أمهلته خطوة أخرى ليصنع أثراً قبل الرحيل الحتمي
وفجأة، بلا إنذار أو تمهيد، يختطفنا مشهد آخر يعصف بالأنفاس؛ حين تتسارع دقات النبض وتضيق مساحات الاختيار في لحظة قدرية خاطفة. إنه الموت المباغت الذي لا يستأذن أحداً؛ صرير مكابح مدوٍّ على طريق سريع، أو سقوط مفاجئ في غيابات الخطر، أو تلك اللحظات المحبوسة في أنفاس شخص يواجه الغرق أو حريقاً يلتهم الآمال
في تلك الثواني المعدودة، يتوقف الزمن تماماً، وتمر الحياة كلها كشريط سينمائي مرعب وسريع أمام عينين متسعتين من الذهول. يتلاشى صخب الدنيا في طرفة عين، ولا يبقى سوى صوت الارتطام، وتلك القشعريرة الباردة التي تسري في الجسد بينما الروح معلقة على حافة الهاوية، تقف وجهاً لوجه أمام المجهول.
في هذه الإثارة المأساوية، يدرك المرء كيف أن غفلة العمر كله قد تنتهي بقرار من ثانية واحدة، وكيف أن الأمان الذي نتحصن خلفه هو مجرد جدار من ورق يمكن أن تذروه رياح القدر العاتية في أي لحظة، لتثبت لنا الأيام مجدداً أنها لا تمزح، وأن زقتها الأخيرة للقبر قد تأتي في ومضة برق
وفي ختام هذه الرحلة العابرة، ندرك أن الأعمار ليست بعدد السنين التي نتنفسها، بل بعمق الأثر الذي نتركه وراءنا؛ فمادام التراب هو المآل، وما دامت الأيام تدفعنا رغماً عنا إلى ذلك المستقر الأخير، فلن يبقَ في جوف الأرض إلا صدق العاطفة وطيب الأثر. إن الرحيل حتمية لا فرار منها، والقبر نهاية سنُساق إليها جميعاً بذات اليد التي منحتنا الحياة أول مرة، لكن العبرة تكمن في كيف عبرنا ذلك الجسر الواصل بين الميلاد والغروب. 
فلنعش هذه الحياة بقلوب أنقى، ولنغزل من خيوط أيامنا المحدودة دثاراً من الخير يدفئ ذكرانا بعد الغياب؛ فالأجساد ستفنى والأسماء قد تُنسى، لكن الروح التي عاشت تزرع الحب والأمل والصدق، ستظل تشرق في قلوب من خلفها، كبصمة نورانية تتحدى ظلمة القبر وعتمة النسيان، معلنةً أن الحقيقة الأجمل في هذا الوجود هي أن الأثر الطيب لا يموت أبداً

مساحة إعلانية