مساحة إعلانية
هناك فرق كبير بين محاربة الجريمة وبين استخدام الجريمة لصناعة صورة ذهنية عن دين أو شعب أو حضارة.
فالتاريخ ليس صفحة تُكتب وفق الهوى، ولا يمكن انتقاء مشاهد منه لإدانة طرف، ثم إخفاء مشاهد أخرى عندما لا تتفق مع الرواية المراد ترويجها.
الحروب العالمية، والاستعمار، والعبودية، وإبادة الشعوب، والتهجير القسري، واستخدام الأسلحة المدمرة ضد المدنيين.. كلها صفحات سوداء في تاريخ البشرية،
ولا يمكن أن يصبح بعضها «مأساة إنسانية» بينما يتحول بعضها الآخر إلى ذريعة للحكم على عقيدة بأكملها.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح هو:
هل نحن أمام معيار واحد للحكم على الجرائم، أم أن المعيار يتغير بحسب هوية الفاعل؟
التاريخ الحديث مليء بحروب كبرى أوقعت ملايين الضحايا، وشهد عمليات استعمار واسعة النطاق، وممارسات عنيفة ضد السكان الأصليين، وتجارة للعبيد، واستخدام أسلحة غيرت وجه العالم وتركت وراءها ملايين الضحايا.
ومع ذلك، لم يقل أحد إن دينًا بأكمله يتحمل مسؤولية كل هذه الجرائم لمجرد أن بعض مرتكبيها كانوا ينتمون إلى خلفية دينية أو ثقافية معينة.
فلماذا يحدث الأمر بصورة مختلفة عندما يكون مرتكب الجريمة مسلمًا؟
لماذا تتحول جريمة فرد إلى اتهام ضمني لعقيدة كاملة؟
ولماذا يُطلب من المسلمين في كل مرة أن يقدموا اعتذارًا جماعيًا عن أفعال أشخاص لا يمثلونهم، بينما لا يُطلب الموقف نفسه من أتباع أديان أو شعوب أخرى عندما يرتكب أحد أفرادها جريمة؟
هنا تحديدًا تظهر مشكلة ازدواجية المعايير.
نحن لا ندافع عن القتل، ولا نبحث عن مبررات للإرهاب، ولا نقبل الاعتداء على الأبرياء تحت أي شعار.
لكننا في الوقت نفسه نرفض أن تتحول جرائم الأفراد إلى محاكمة جماعية لمئات الملايين من المسلمين.
الإرهابي مسؤول عن جريمته، والمجرم مسؤول عن جريمته، والقاتل مسؤول عن جريمته.
أما الدين، فلا ينبغي أن يتحول إلى متهم دائم في قفص الاتهام بسبب تصرفات أفراد.
والإنصاف لا يعني تبرئة أحد، بل يعني أن نستخدم الميزان نفسه مع الجميع.
فإذا كان قتل الأبرياء جريمة، فهو جريمة أيًا كان القاتل.
وإذا كان استهداف المدنيين مرفوضًا، فهو مرفوض مهما كانت هوية من قام به.
وإذا كان الاعتداء على الشعوب جريمة، فلا يجوز أن تتغير نظرتنا إليها بمجرد تغيير اسم الفاعل أو جنسيته
أو خلفيته.
هذه ليست دعوة إلى الكراهية، ولا إلى الانتقام، ولا إلى تبرير الماضي.
إنها دعوة إلى شيء أبسط بكثير:
العدل.
وأنا كمسلم لا أحتاج إلى تشويه تاريخ الآخرين حتى أعتز بديني، ولا أحتاج إلى تبرير جريمة ارتكبها مسلم حتى أقول إنني مسلم.
يكفيني أن أقول بكل ثقة:
أعتز بإسلامي، وأحمد الله على نعمة الإسلام.
لكنني أرفض في الوقت نفسه أن يُطلب مني أن أقبل رواية تجعل من دين كامل مسؤولًا عن أخطاء بعض أتباعه.
فالإسلام ليس شخصًا أخطأ، ولا جماعة انحرفت، ولا تنظيمًا ارتكب جريمة.
الإسلام دين، والمسلمون بشر؛ والبشر يخطئون ويصيبون.
والحقيقة لا تخشى المقارنة، والتاريخ لا ينبغي أن يكون انتقائيًا، والعدالة لا تعرف لونًا ولا جنسية ولا دينًا.
المشكلة ليست في أن ندين الجريمة.. المشكلة عندما يصبح للجريمة أكثر من اسم، وأكثر من تفسير، وأكثر من معيار.
إذا كان القتل جريمة، فليكن جريمة للجميع.
وإذا كان الإرهاب مرفوضًا، فليرفضه الجميع دون استثناء.
أما أن نُدين الفعل عندما يصدر من طرف، ثم نبحث له عن ألف مبرر عندما يصدر من طرف آخر، فهذه ليست عدالة.. بل ازدواجية مكشوفة.
والتاريخ لا يُمحى بمنشور، ولا تُزوّر الحقيقة بتكرار رواية واحدة.
الحمد لله على نعمة الإسلام.. والحمد لله على نعمة العقل الذي يقرأ التاريخ كاملًا، لا نصفه فقط.