مساحة إعلانية
هل حان وقت جني العائد الاقتصادي من الاستقرار؟
الأمن يهيئ الطريق للتنمية.. والإنتاج والاستثمار وتحسين معيشة المواطنين هي الاختبار الحقيقي لعائد الاستقرار
لم تكن الـ120 مليار جنيه التي أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي إنفاقها على الحرب ضد الإرهاب على مدار 14 عامًا مجرد تكلفة مالية تحملتها الدولة، بل تعكس حجم التحديات التي واجهت الاقتصاد المصري في معركة استهدفت حماية الأمن والاستقرار. لكن القراءة الاقتصادية الأهم لهذا الرقم لا تتوقف عند حجم الإنفاق، وإنما تمتد إلى سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن تحويل ما تحقق من استقرار إلى عائد اقتصادي ملموس يدعم الاستثمار والإنتاج والتشغيل ويحسن مستوى معيشة المواطنين؟
خلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين بعنوان «وطن الأبطال»، بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة، شدد الرئيس السيسي على أهمية الحفاظ على الدولة واستمرارها، مؤكدًا أن التحديات الاقتصادية قابلة للتجاوز، ومحذرًا من مخاطر الاضطرابات ومحاولات استهداف الوعي الوطني.
وتحمل هذه الرسائل أبعادًا تتجاوز الجانب السياسي والأمني، لتضع العلاقة بين الاستقرار والتنمية في صدارة المشهد الاقتصادي؛ فالدولة التي تواجه تهديدات أمنية ممتدة تتحمل أعباءً مالية مباشرة، فضلًا عن تكاليف غير مباشرة قد تطال الاستثمار والإنتاج وتدفقات رؤوس الأموال، بينما يتيح الاستقرار مساحة أكبر لتوجيه الموارد نحو التنمية.
فاتورة الإرهاب.. موارد كان يمكن توجيهها للتنمية
تجاوز تكلفة الحرب على الإرهاب 120 مليار جنيه، وفقًا لما أعلنه الرئيس، يعكس حجم الموارد التي تطلبتها مواجهة هذه التحديات على مدار سنوات. غير أن التقييم الاقتصادي الدقيق لهذه الفاتورة يحتاج إلى التمييز بين الإنفاق المباشر على المواجهة الأمنية والخسائر الاقتصادية غير المباشرة التي قد تنشأ عن تراجع النشاط أو ارتفاع المخاطر الاستثمارية.
ولا يمكن اعتبار هذه التكلفة إنفاقًا منفصلًا عن حماية الاقتصاد؛ فالأمن يمثل أحد الشروط الأساسية لاستمرار المشروعات وحركة التجارة والاستثمار. وفي المقابل، فإن استمرار التهديدات كان يمكن أن يفرض أعباءً إضافية على الموازنة ويحد من قدرة الدولة على توجيه مواردها إلى القطاعات الإنتاجية والخدمات الأساسية.
لكن استعادة الاستقرار لا تعني أن العائد الاقتصادي يتحقق تلقائيًا. فالمطلوب هو ترجمة انخفاض المخاطر إلى توسع في الاستثمارات، وزيادة في الطاقة الإنتاجية، وفرص عمل أكثر استدامة، مع تحسين كفاءة الإنفاق العام. كما أن رقم الـ120 مليار جنيه، على أهميته، لا يكفي وحده لقياس التكلفة الاقتصادية الإجمالية للإرهاب أو حساب العائد المالي لاستعادة الاستقرار من دون بيانات تفصيلية عن الإنفاق والخسائر التي جرى تجنبها.
الإصلاح الاقتصادي.. دروس من الماضي
استدعاء الرئيس تجربة الرئيس الراحل أنور السادات، وما شهدته مصر عام 1977 من احتجاجات على إجراءات اقتصادية تضمنت رفع أسعار بعض السلع، يعيد إلى الواجهة قضية جوهرية تتعلق بكيفية إدارة الإصلاح وتوزيع تكاليفه الاجتماعية.
فالقرارات الاقتصادية لا تُقاس فقط بقدرتها على معالجة الاختلالات المالية، وإنما أيضًا بمدى تأثيرها على دخول المواطنين ومستويات المعيشة، وبكفاءة السياسات المصاحبة في تخفيف الأعباء عن الفئات الأكثر تأثرًا.
والدرس الأهم هنا أن الإصلاح الاقتصادي يحتاج إلى توازن دقيق بين استدامة المالية العامة وتحفيز الاستثمار والإنتاج والحفاظ على الحماية الاجتماعية. فنجاح السياسات لا يرتبط فقط باتخاذ القرار، بل بقدرة الاقتصاد على توليد فرص عمل ودخول جديدة، وبمدى انعكاس النتائج الإيجابية على حياة المواطنين.
الاستقرار وحده لا يكفي.. الإنتاج هو الفيصل
تمثل حماية الاستقرار المؤسسي ركيزة مهمة للتخطيط الاقتصادي طويل الأجل، لكنها تظل خطوة أولى ضمن مسار أوسع يتطلب تحسين بيئة الأعمال، وتعزيز دور القطاع الخاص، ورفع تنافسية القطاعات الإنتاجية، وتوجيه الموارد إلى الأنشطة القادرة على خلق قيمة مضافة.
ومن هنا، فإن المرحلة التالية تتطلب التركيز على مؤشرات اقتصادية واضحة، في مقدمتها نمو الإنتاج والاستثمار والتشغيل، وتحسن القوة الشرائية، وارتفاع كفاءة الإنفاق العام. فهذه المؤشرات هي التي تحدد مدى قدرة الاقتصاد على تحويل الاستقرار إلى مكاسب مستدامة، بدلًا من الاكتفاء بقياس النجاح بتراجع المخاطر.
كما أن تعزيز الوعي الاقتصادي يتطلب إتاحة المعلومات الدقيقة، وشرح القرارات العامة وأهدافها وآثارها المتوقعة، بما يتيح للمواطن فهم طبيعة التحديات، ويساعد على بناء نقاش موضوعي حول السياسات والبدائل المتاحة.
الخلاصة.. تحويل الاستقرار إلى نمو ضرورة اقتصادية
تكشف رسائل الرئيس السيسي عن معادلة مترابطة تجمع بين حماية الدولة ومواجهة التحديات واستكمال الإصلاح الاقتصادي. فالأمن يهيئ البيئة اللازمة للتنمية، لكن الإنتاج والاستثمار والتشغيل هي الأدوات التي تحول هذه البيئة إلى نمو حقيقي.
وبعد فاتورة مكافحة الإرهاب التي تجاوزت 120 مليار جنيه، وفقًا للتصريحات الرئاسية، يصبح الرهان الاقتصادي الأهم هو تعظيم العائد من الاستقرار، عبر توسيع القاعدة الإنتاجية، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص العمل، وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
فالنجاح الاقتصادي لا يُقاس فقط بقدرة الدولة على حماية استقرارها، بل بقدرتها على تحويل هذا الاستقرار إلى اقتصاد أقوى، وفرص عمل أكثر، ودخل أفضل للمواطن.