مساحة إعلانية
تحت أضواء صاخبة وسجّاد أحمر لا يعكس سوى السطحية، خُصصت منصات في مهرجان الجونة لشنّ هجوم فجّ على هوية المرأة، بدعوات مشبوهة تطالبها علانية بأن تخلع رداء قيمها وعفتها لتنال صك "التحرر" الزائف.
إن هذا الابتذال الفكري لا يمثل تحريراً للمرأة، بل هو محاولة دنيئة لاختزال تاريخها، وعلمها، ونضالها في معركة وهمية حول جسدها وثيابها. هذا المقال ليس مجرد رد، بل هو صرخة في وجه تلك الأصوات المأجورة التي تتاجر بقضايا المرأة؛
لنؤكد أن كرامة المرأة العربية تُصنع في ميادين الفكر، وبناء الأجيال، وصياغة المستقبل، وليست رهناً بإملاءات عابثة تحاول تجريدها من هويتها وأصالتها لتسليعها تحت شعارات تقدمية كاذبة.
بينما يصر قاطنو الأبراج العاجية في "الجونة" على حصر المرأة في حدود جسدها ومفاتنها، مطالبين إياها بخلع ملابسها كشرط زائف للتحرر، نقف نحن هنا في "المحروسة" لنصفع هذا الابتذال بوعينا؛ فنحن لا ننظر إلى ما تخفيه الثياب أو تظهره، بل ننظر إلى عقل المرأة، وعلمها، وأخلاقها، وحسن تربيتها، وتفوقها في ميادين العمل وبناء المجتمع.
إن هذا التناقض الصارخ يكشف عورة تلك المنصات التي تحاول تسليع المرأة تحت شعارات تقدمية كاذبة، في حين يظل المجتمع المصري والعربي متمسكاً بالمرأة الملهمة، والطبيبة، والمعلمة، والأم التي تصنع الأجيال، مؤكدين أن معركة تمكينها الحقيقية هي معركة فكر وكرامة، وليست معركة قماش وعري
وهنا يتجلى بوضوح رأي الأزهر الشريف والمؤسسات الدينية الرسمية، التي تؤكد بإجماع علمائها أن ستر المرأة وحشمتها فرض عين صريح ثبت بالقرآن والسنة، وهو تكريم لإنسانيتها وصيانة لكرامتها لكي يُتعامل معها كعقل وكفاءة لا كسلعة للمتعة البصرية. ويشدد علماء الدين دائماً على أن الإسلام عندما فرض الستر، لم يمنع المرأة أبداً من طلب العلم، أو العمل، أو تولي المناصب القيادية الرفيعة؛ فالمرأة المسلمة عبر التاريخ بلغت أعلى المراتب العلمية والسياسية وهي في كامل حشمتها ووقارها، فالحشمة لا تنافي النجاح بل تحميه، والستر لم يكن يوماً قيداً يمنع الانطلاق، بل هو سياج يفرض احترام الفكر ويصون الطهر الأخلاقي للمجتمع
لقد تماديتم في غيكم حتى جعلتم من ممثلة، كان الجميع يحب فنها ويحترم حضورها، أداة لتمرير أجنداتكم العابثة، فدفعتموها لخلع ملابسها ظناً منكم أن هذا المستنقع سيجرف وراءه كل الفتيات، وأن المجتمع سيسقط في فخ هذا الانحلال الممنهج. لكنكم انصدمتم بالحقيقة وانكشفتم أمام أنفسكم وأمام العالم أجمع؛ حين خرجت لكم فتيات المحروسة يرتدين وقار الحشمة وتاجات العفة، يقدمن للعالم دروساً في التميز، ويتفوقن بجدارة في شتى المجالات العلمية والعملية.
لقد ردت عليكم الواقعية المصرية بصفعة قاسية، لتجدوا من بين هؤلاء المحتشمات الوزيرات اللاتي يدرن شؤون البلاد بكفاءة، والمعيدات اللاتي يربين عقول الأجيال في الجامعات، والطبيبات اللاتي يسهرن على مداواة الأوجاع، لتثبت المرأة المصرية الأصيلة أن وقارها وحشمتها لم يكونا يوماً عائقاً أمام مجدها، بل هما الحصن المنيع لفكرها وعلمها الذي عجزت أباطيلكم عن تشويهه
إننا اليوم، وفي مواجهة هذا العبث، لا نلتفت لعرائس الشاشات اللاتي يُسقِطن ملابسهن، بل نحتفل بفخر واعتزاز بعِلم وقامات نسائية حفرت أسماءها بمداد من نور في تاريخ الوطن؛ نحتفل بمعالي العميدة والنائبة ثريا بدوي، ومعالي العميدة ليلى عبد المجيد، والعميدة عواطف عبد الرحمن، وأ.د. شيماء ذو الفقار والأستاذة الدكتورة هبة أمين أحمد شاهين من تربعن على عرش عمادة كلية الإعلام بجامعة القاهرة وعين شمس وصنعن أجيالاً من الوعي والتنوير.
والأستاذة الدكتورة ولاء إبراهيم العقاد عميدة كلية الإعلام بنات جامعة الأزهر وأول سيدة تتولى منصب عميد الكلية والأستاذ الدكتورة امانى عوض عميدة كلية التربية بدمياط
و لتدرك تلك الأصوات العابثة في "الجونة" وغيرها أن قطار الوعي في المحروسة قد تجاوز ترهاتهم ومخططاتهم منذ زمن بعيد، وأن محاولاتهم البائسة لتسليع المرأة وتجريدها من قيمها قد تحطمت على صخرة الواقع المصري الأصيل.
ستبقى المرأة المصرية والعربية شامخة، محتشمة بوقارها، متسلحة بعلمها، ومستنيرة بفكرها، تقود الوزارات وتعتلي منصات العلم والطب، دون أن تفرط في هويتها أو تبيع عفتها في سوق الشعارات الزائفة.
إن العري لم يكن يوماً تذكرة عبور نحو المستقبل، بل هو ارتداد نحو البدائية، وستظل الحشمة هي التاج الحقيقي الذي تتوج به المبدعات والعالمات والناجحات، رغماً عن أنوف دعاة الانحلال والابتذال