مساحة إعلانية
إذا كان هناك شخص في منظومة الكرة المصرية يمتلك موهبة تحويل الاستقرار إلى حقل ألغام في ثوانٍ معدودة، فهو بالتأكيد حسام حسن.
فالرجل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بـ "جرينتا" حماسية جارفة داخل المستطيل الأخضر كلاعب، يبدو أنه نقل هذه الشحنة الانفعالية بالخطأ إلى ملف العلاقات الإنسانية والإدارية كمدرب؛ فلا يمكن اليوم الفصل بين عبقريته الكروية وبين شهيته المفتوحة دائماً لصناعة الأزمات. وفي الوقت الذي ينتظر فيه الشارع الرياضي هدوءاً يمهد الطريق لعودة أمجاد "الفراعنة"، يصر "العميد" على إبقاء مسيرته تحت مقصلة الجدل ، واختيار المسار الوعر عبر معارك جانبية وتصريحات نارية.
إنها متلازمة واضحة عنوانها "عشق الأزمات"، حيث يملك قدرة فريدة على تخليق المشاكل من العدم؛ فتحولت معه منصات المؤتمرات الصحفية وغرف الملابس من مساحات للاحتواء وصناعة الفارق، إلى ساحات تصفية حسابات وخصومات مجانية مع اللاعبين، الإعلام، والمسؤولين، ليصبح السؤال المطروح حالياً ،
هل يقود حسام حسن منتخب مصر نحو منصات التتويج، أم يقوده نحو جولة جديدة من المعارك الشخصية؟
وفي هذا المشهد الصاخب، يبدو حسام حسن شبيهًا بأولئك الأبطال التراجيديين في الأساطير الإغريقية القديمة؛ شخصيات تمتلك قوة خارقة وكاريزما طاغية، لكنها تحمل في أحشائها "عيباً مأساوياً" (Hamartia) ملتصقاً بذات القوة ومستمدّاً منها. إنه يشبه أوديب في اندفاعه وبحثه الشرس عن الحقيقة الذي قاده لحتفه، أو أجاكس في "الإلياذة"، ذلك البطل الأسطوري الذي امتلك شجاعة وجسارة لا تلين في المعارك، لكن كبرياءه الأعمى وعزته الحادة قادتاه إلى الصدام مع الجميع والوقوع في فخ جنونه الخاص.
إن نقطة القوة الضاربة لدى حسام حسن – وهي الحماس المفرط، والرفض المطلق للهزيمة، والروح القتالية – هي نفسها العيب القاتل الذي يغذّي أزماته. تلك "الجرينتا" التي جعلت منه هدافاً تاريخياً وأسطورة كروية، هي ذاتها التي تتحول على مقعد الإدارة الفنية إلى "عقدة اضطهاد" وصراعات كسر عظام مع النجوم والمؤسسات. وكما كان أبطال التراجيديا يصنعون مصيرهم المأساوي بأيديهم بدافع من كبريائهم، يبدو أن "العميد" لا يستطيع العيش في سلام؛ فكلما اقترب من قمة النجاح والاستقرار، تحركت بداخله نزعة "أجاكس" ليدمر هذا الاستقرار بخصومة جديدة أو تصريح عنيف، وكأن النجاح لا يكتمل في مخيلته إلا إذا كان معمداً بدموع المعارك ودخان الأزمات.
ولم تكن هذه النزعة التراجيدية وليدة اليوم أو نتاج جلوسه على مقعد المدير الفني فحسب، بل هي امتداد لجينات شخصية طالما تحكمت في مسيرته وهو لاعب في أوج توهجه.
ولعل الشاهد الأبرز والواقعة التاريخية التي لا تُنسى في سجل الكرة المصرية، هي لحظة صدامه واعتدائه الشهير على المدير الفني لمنتخب مصر الأسبق، الكابتن الموقر محسن صالح عام 2002.
في تلك اللقطة، تجلى "العيب التراجيدي" في أبشع صوره؛ فرغبة حسام حسن العارمة في اللعب، وحماسه الذي كان يراه مشروعاً، تحولا في ثوانٍ معدودة إلى بركان من الغضب الأعمى لم يحترم رمزية القيادة ولا وقار القميص الوطني.
كانت تلك الحادثة بمثابة إعلان مبكر عن شخصية "أجاكس" الكامنة داخل الهداف التاريخي؛ البطل الذي يرى في استبداله أو توجيهه إهانة لكبريائه، فيندفع للاعتداء على مدربه دون التفكير في عواقب الأزمة التي سيخلفها وراءه.
والآن، يعود التاريخ ليعيد نفسه ؛ إذ يخرج علينا حسام حسن كمدرب بالتركيبة النفسية ذاتها، ليمارس هوايته في اختطاف الأضواء والبحث عن "صدارة اللقطة" بأي ثمن.
فالرجل لا يرى في منظومة المنتخب شركاء نجاح، بل يرى نفسه المحور الأوحد الذي يدور حوله الجميع.
ومن هذا المنطلق الفوقي، لم يتردد في شن هجومه العنيف على مهاجمه مصطفى محمد، وخرج بجرأة يحسد عليها ليعلن للرأي العام أن الحارس العملاق محمد الشناوي كان "منتهياً" كروياً ولم يعد للحياة إلا بفضله وتحت قيادته.
بل وامتدت نرجسيته الفنية ليوحي للجميع بأنه أعاد اكتشاف الأسطورة محمد صلاح، موجهاً قذائفه نحو الأندية المصرية متسائلاً بتهكم: كيف للأندية ألا تؤهل لاعبيها بينما يتولى هو عبء صناعتهم وتقديمهم للساحة؟
إن حسام حسن المدرب يرفض تماماً مبدأ النجومية المشتركة؛ إنه يريد أن يكون القوة الوحيدة والأقوى في أي منظومة يطأها بقدمه.
هذه الرغبة المحمومة في احتكار المشهد ألغت الفوارق بين الحماس القيادي والغرور الهدام، مما يحول "العميد" تدريجياً من مصدر قوة فنية وحماسية للمنتخب، إلى "قنبلة موقوتة" قابلة للانفجار في وجه الاستقرار عند أي تعثر.
ويبقى السؤال المعلق فوق رأس المنظومة الكروية في مصر: هل يستطيع حسام حسن كبح جماح هذا "العيب التراجيدي" والسيطرة على "أجاكس" الكامن داخله ليحقق المجد الفني كمدرب؟
أم أن لعنة البطل الإغريقي ونرجسيته ستظل تطارده ، ليظل دائماً قريباً من القمة، لكنه يفجرها بيده قبل أن يلمسها.. فقط ليرى العالم دخان