2026-09-04 16:50:19
مساحة إعلانية
يطرح المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي في هذا المقال تصورًا يقوم على أن إصلاح الدولة يبدأ من إصلاح الإنسان، معتبرًا أن الفرد هو الحلقة الأولى في بناء المجتمع وأن امتلاك منظومة أخلاقية مستقرة يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على أداء المؤسسات والقادة وطبيعة العلاقات داخل المجتمع.
وتقوم الفكرة المركزية للمقال على الربط بين التربية والأخلاق ونظام الحكم؛ فالمقال لا يتعامل مع التشريع القرآني باعتباره مجموعة من الأحكام المنفصلة، وإنما يقدمه باعتباره منهاجًا متكاملًا لبناء السلوك الإنساني يبدأ من مرحلة التنشئة والتعليم، ثم ينتقل إلى الأسرة والعمل والمؤسسات، وصولًا إلى إدارة الدولة وصناعة القرار.
ومن أبرز ما يلفت الانتباه أن الكاتب يضع مجموعة من القيم في قلب تصوره للدولة، وفي مقدمتها الرحمة والعدل والإحسان والمساواة واحترام حقوق الإنسان والتسامح والعفو وتحمل المسؤولية والابتعاد عن الظلم. وبهذا المعنى، فإن قوة الدولة في رؤيته لا تُقاس فقط بما تمتلكه من مؤسسات أو موارد، وإنما بمدى قدرة هذه المؤسسات على تحويل القيم إلى ممارسة يومية في حياة المواطنين والمسؤولين.
ويؤكد المقال كذلك أن أزمة المجتمعات لا تبدأ بالضرورة من مؤسسات الحكم بل قد تكون جذورها أعمق من ذلك، في تكوين الفرد نفسه، فإذا نشأ الإنسان على الأمانة والعدل واحترام الآخر وتحمل المسؤولية، فإنه عندما يصل إلى موقع إداري أو سياسي يحمل معه هذه القيم إلى موقعه، بينما يؤدي غيابها إلى انتشار صور مختلفة من الصراع والظلم وتغليب المصالح الخاصة.
وفي جانب آخر، يقدم الكاتب قراءة نقدية للتجربة التاريخية الإسلامية بعد وفاة الرسول، ويربط ما يعتبره إخفاقًا في بناء نظام حكم مستقر بالابتعاد عن التشريع القرآني والانشغال بالصراعات والروايات والانقسامات، وتمثل هذه النقطة أحد أكثر جوانب المقال حدة؛ لأنها لا تكتفي بطرح تصور إصلاحي للمستقبل، وإنما تعيد تفسير جانب من التاريخ السياسي والديني من منظور الكاتب، وتحمل الابتعاد عن القرآن مسؤولية استمرار الانقسام والصراع.
كما يربط المقال بين الانقسام الداخلي والضعف الخارجي، معتبرًا أن المجتمعات التي تفقد وحدتها الأخلاقية والسياسية تصبح أكثر عرضة للتدخل والاستغلال وفقدان الاستقرار، ومن هنا تظهر في المقال فكرة مهمة وهي أن الأمن والاستقرار ليسا نتاج القوة المادية وحدها، بل نتيجة مباشرة لوجود مجتمع متماسك تحكمه قواعد واضحة للعدل والمسؤولية.
وتبرز في نهاية المقال رؤية أخرى تتعلق بإدارة الدولة وصناعة المستقبل، حيث يدعو الكاتب إلى التشاور والمصارحة وإتاحة المجال أمام أصحاب الخبرة لإبداء آرائهم دون خوف أو نفاق، وهذه الفكرة تمنح المقال بعدًا إداريًا إلى جانب بعده الديني والأخلاقي، إذ تتحول الدولة في التصور المطروح إلى فريق عمل يشترك أفراده في تحمل المسؤولية، وليس مجرد علاقة رأسية بين حاكم ومحكوم.
واللافت أن الكاتب يربط بين الأمانة أمام الله والأمانة في إدارة الشأن العام، وهي نقطة تعكس رغبته في نقل القيم الدينية من نطاق الشعائر الفردية إلى مجال العمل العام، فالمسؤول، وفق هذا التصور، لا ينبغي أن يخشى السلطة أو القائد فقط، وإنما يستشعر مسؤوليته الأخلاقية قبل أي اعتبار آخر، بما يجعل الرقابة الذاتية عنصرًا أساسيًا في الإدارة.
في المحصلة، يقدم المقال تصورًا متكاملًا للدولة ينطلق من قاعدة بسيطة لكنها واسعة الدلالة: لا يمكن بناء مجتمع عادل بأفراد لا يمارسون العدل في حياتهم اليومية، ومن هنا يضع الكاتب التربية والأخلاق في مقدمة مشروعه، ويرى أن إصلاح الحكم يبدأ قبل الوصول إلى السلطة، من المدرسة والأسرة والشارع ومكان العمل، حيث تتشكل شخصية المواطن التي ستصبح لاحقًا أساسًا لشخصية المجتمع والدولة.
كما أن المقال يفتح بابًا للنقاش حول العلاقة بين النص الديني وإدارة الدولة وحول إمكانية تحويل القيم الأخلاقية العامة إلى منظومة سياسية ومؤسسية قابلة للتطبيق، وبعيدًا عن الاتفاق أو الاختلاف مع بعض الاستنتاجات التاريخية التي يطرحها الكاتب، فإن القيمة الأساسية للمقال تكمن في محاولته إعادة طرح سؤال جوهري: هل يبدأ إصلاح الدولة من تغيير القوانين والمؤسسات فقط، أم من إعادة بناء الإنسان الذي يدير هذه المؤسسات ويعيش داخلها؟.
ومن هذا المنظور، تبدو الرسالة الأساسية للنص واضحة: الدولة التي تريد تحقيق العدل والاستقرار لا يكفيها أن تضع القوانين، بل تحتاج إلى إنسان يؤمن بهذه القوانين ويمارس قيمها، وإلى قيادة تسمح بالحوار والمشاركة والمصارحة، وإلى مجتمع يرى في المسؤولية العامة أمانة وليست امتيازًا.