مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

في ذكرى الشهيد البطل يحيى السنوار ..بقلم مصطفى عبدالملك الصميدي| اليمن

2026-10-16 05:34 PM  - 
في ذكرى الشهيد البطل يحيى السنوار ..بقلم مصطفى عبدالملك الصميدي| اليمن
مصطفي عبد الملك

في الذكرى الثانية لاستشهاد البطل المجاهد يحيى السنوار، يعود الاسم محملاً بأثقال قضيتة الأولى "فلسطين الأبية"، وتعود معه سيرة رجل عاش لأجلها حتى الرمق الأخير، ورحل مثخناً بأوجاع وطنه وأبناء أمته. لم يكن غياب الرجل العبقري خاتمة الحكاية؛ كان غيابه فصلاً آخر من فصولها، إذ خلّف وراءه إرثاً غنياً بالقيم والبطولة والتاريخ؛ إرثاً تستحضر الأجيال في ظلاله معاني الانتماء والتضحية، وأسئلة الوطن الذي لا تزال قضيته تُكتب على تخوم الألم والمصير.

في خضم المعاناة، وفي كنف المخيم الذي صاغت مآسي اللجوء ملامحه، أبصر السنوار براعم النور الأولى، لتغدو سيرته منذ النشأة امتداداً لفصول القضية الفلسطينية وأوجاعها؛ من عتمة الزنازين إلى صدارة المشهد السياسي، ومن دروب الاعتقال إلى مواقع القيادة في حركة حماس. وبين المحنة والتحول، تبلورت أسطورة رجل صار اسمه جزءاً من مرحلة مفصلية من تاريخ فلسطين؛ مرحلة تداخلت فيها محطات النضال بمنعطفات السياسة، وتقاطعت فيها التجربتان الفردية والجمعية مع التحولات الكبرى التي أعادت تشكيل المشهد الفلسطيني ورسمت مآلاته المستقبلية في مواجهة محاولات طمس القضية وتغييبها عن الذاكرة والوعي.

وفي تضاعيف سيرته الجهادية، تتبدى صورة رجل صاغت قناعاته الدينية والسياسية نظرته إلى الموت والحياة، وارتبط اسمه في الذاكرة الجمعية الفلسطينية والإسلامية والشعوب الحرة الأخرى بمعاني الانتماء والصمود والتضحية في سبيل القضايا الكبرى. وللإيمان حين يستقر في أعماق النفس منطقه الخاص؛ إذ يمنح صاحبه قدرة على احتمال المكاره، ويضع الفناء في ميزان القيم التي آمن بها واختارها. إضافة إلى هذا الارتباط العميق، تناقلت الألسن عنه عبارات في مواجهة الموت، وأضحت مدخلاً للتأمل في الإنسان الذي يقف على حافة المصير، وفي تلك المسافة الدقيقة بين رهبة الفناء وثبات الاعتقاد حيث يضعف الجسد وتشتد في الوجدان سطوة المعنى.

ثم جاءت اللحظة التي ارتقى السنوار فيها شهيداً، في مشهد انحبست عنده الأبصار وتردد صداه في كل أصقاع العالم، كأنما انطوت في ثناياه خاتمة رجل، وانفتحت على إثره فصول أخرى من حكاية لا تنتهي عند حتمية الفناء. ولعل عصاه، تلك التي استحالت من تفصيل عابر إلى علامة تتجاوز حدود اللحظة، أبلغ من أن تُقرأ بوصفها عوداً من خشب؛ إذ غادرت بساطة الأشياء لتستقر في فضاء الرمز، وكأنها تقول صراحة أن الأفكار لا تُختزل في أصحابها، وأن الحكايات الكبرى لا تنتهي عند مشهد الختام، بل تترك للأيام أن تستأنف فصولها. ففي صمت العصا إيحاء بأن وراء السنوار ألف سنوار، وأن من رحل قد يعود أثراً، وما انقضى من السيرة سيظل قابلاً للبعث في وجدان الأجيال ما بقيت للحكاية أرض تحفظها وذاكرة تستعيدها وزمن يكتب فصولها من جديد.

وهكذا، تحل الذكرى الثانية لاستشهاد البطل يحيى السنوار، فتتجدّد فصول السيرة ولا تُطوى صفحاتها؛ إذ لا ينتهي أثر الرجال برحيلهم، ولا يمحو الموت ما رسخته المواقف في سجل الخلود. فثمة رجال يمضون وتبقى آثارهم عصية على الغياب.. يستحضرهم الوجدان كلما كشفت الأيام عن عمق ما تركوه من أثر، ويظلّ السنوار حاضراً في وجدان الأمة الإسلامية وفي وجدان كل حر ما بقي لفلسطين صوت يروي وجعها، وللذاكرة نبض يأبى النسيان.

مساحة إعلانية