مساحة إعلانية
قريتنا ملتصقة بظهر الجبل الغربي كأنها ندبةٌ في جسد الزمن. بيوتها من الطين الممزوج بالقش، وسقوفها من جريد النخل يقرعها المطر في الشتاء فيغني لحن الفقر والفقراء.
من بعيد تبدو هادئةً وادعة، كامرأةٍ عجوزٍ نامت على صدر التاريخ. لكن تحت أقدام صبيانها قبور ملوك، وتحت مواقد نسائها ذهب الفراعنة.
لا يجرؤ أحد على الحفر بحثا عن عرائس القدماء ،ومساخيط الجبل.
هنا... الحفر ليس بحثاً عن الماء، بل بحثاً عن حلم. تسبب في موت رجال، وسجن شباب، وخراب بيوت. فمن مدّ يده تحت التراب، مدّت له يد القانون أو يد القاتل.
ريحانة لا تملك سوى بذرة العناد ، ثلاثة قراريط ورثتها عن زوجها الراحل ، أرضٌ بورٌ، رماها الناس ببصر الشفقة بعد موته.
قالوا: مقلب زبالة... لا يصلح إلا لرمي الهم .
لكن وجعها أجبرها على النظر إلى التراب نظرة أخرى. رأت فيه عرضها ،، رأت فيه كرامة زوجٍ مات ولم يترك لها سوى اسمه.
حملت الفأس. لم تبحث عن تمثالٍ ذهبي. بحثت عن شبرٍ نظيف تغرس فيه بذرة.
كل ضربة فأسٍ كانت رداً على كلمة "وش فقر" التي قالها لها ابن أخي زوجها يوم رنت الفأس على حجرٍ أسمنتي مدفون. ظنت لحظتها ان الأرض أشفقت على ضعفها ،ودثرتها بما تحوي.
قالت له : وجدت فى ارضي كنزا ،احفر وان اكرمنا الله به ،تقاسمناه مع العائلة كلها بالعدل , وعندما وقع بصره على المكان المنشود ،ضحك ضحكة شقت ستائر الأمن في داخلها :
- هذه حصيرة اسمنت ،صنعها زوجك لعمال بناة المسجد لتسهيل خلط الصبة ، يا ريحانة ، نحن قومٌ لا حظ لنا في الدنيا ، إحنا وش فقر..
فضحكت بمرارةً، وشكرت الله على الضراء ،فمن يدرى ،ربما اراد الله بها خيرا، تذكرت عم "سيد" الذي قتله جاره على جرةٍ مكسورة، وتذكرت شباباً في الحبس على سراب ظنا منهم ان الارض لفظت لهم ذهب الفراعين،فتقاتلوا على قسمة لم تخرج للعلن بعد ،قتل بعضهم وسجن البعض الآخر.
ريحانة لم يعد لها بعد زوجها سوى الله معينا وستيرا ،وفأسا واربعة اولاد ذكور ،أكبرهم لم يتعد الحادية عشر من عمره.
ردمت الحفر بيديها. وساوت التراب بدموعها. وقالت للأرض: إن كان في باطنك رزقٌ حلال فأخرجيه، وإن كانت فيك لعنةٌ فادفنيها .
بدأت حربها الحقيقية. حربٌ لا رصاص فيها ولا دم، بل عرقٌ وصبْر.
حملت أكياس القمامة بيدها، وقلّبت التربة بالمسحاة حتى تقطعت أظافرها.
جلبت السماد البلدي من حظائر الجيران ، وزرعت الجرجير والبصل. باعت الربطة بجنيه،اطعمت صغارها ،وادخرت مال اشترت به شتلة ليمون ونخلة صغيرة ،على أمل أن يأتي عليها رمضان فى يوم ما ،تخرج فيه ثمارهما صدقة على روح زوجها. واستمرت فى تبديل الفائض من الجنيهات ،بشجر فاكهة بمختلف أنواعها ،من كل نوع شجرة واحدة ،مابين اليوسفى ،البرتقال، الرمان، التين ،الجوافة .
لن تنسى الأيام الأولى، حمل الكيس فوق رأسها تكنس فيه زبالة الأعوام، وقوف الفلاحون على رؤوس الجسور يتهامسون مستهزئين بها :انظروا تجمع القمامة من أرضها ،ماذا تنتظر ان تنال منها ؟
وقال أحدهم ساخراً: تبحث عن الكنوز المدفونة في الزبالة؟
سمعت الهمس، فلم ترفع رأسها. غرزت المسحاة في الأرض بقوة، وقالت بصوتٍ خافتٍ لا يسمعه إلا التراب: هم يبحثون عن ذهبٍ يفني... وأنا أبحث عن كرامةٍ تبقى. هم يحفرون ليمتلئ الجيب... وأنا أحفر ليمتلئ القلب .
لم يرحموا حزنها ،ضعفها، قلة حيلتها ،أيقنت ان الله قادر على كل شىء،اصبحت تراهم ولا تراهم. صار صوت المسحاة في الطين أبلغ من كلامهم. حتى صمتوا، ظنا منهم ان العناد الصامت أقوى من السخرية.
اول عيد دق بابها من بعد حزن عميق ، يوم زراعة النخلة والليمونة فهما أول شجيرات الحديقة التى وهبتها صدقة جارية على روح زوجها ،
حفرت لهما بيديها في ركن الأرض، بعيداً عن مواضع الحفر الملعونة.
غسلت جذورهما بماء القناية، ثم دفنتهما وقالت:
هذه لزوحي ... ظلٌ يستره إن زارها عابر، وثمرٌ يطعم الجائع باسمه .
ثم غرست بجانبهما عود رمانٍ واحد، لأنه فاكهته المفضلة. كان يستدين ثمنها ان لم يحالفه الحظ بإمتلاكه، ويأكلها بشهية طفلٍ محروم.
سقتها ثلاث مرات، ومسحت التراب عن وجهها، وهمست للشتلات: اكبرن لوجه الله .. فأنا لا أزرع شجراً. أنا أزرع ذكرى، وأسقيها بالوفاء .
مر عام كامل من الشقاء ولفحات الشمس ،تغير لون بشرتها ،من بياض ناصع ،إلى اسمرار محبب ،لم تمل ،لم تيأس ،يوقظها صوت صياح الديك ،تحمل فأسها فوق كتفها طوال النهار ،وعند الغروب تتأمل عمل يديها. الأرض التي كانت مقلب زبالة، صارت خضراء تتنفس. ابتسمت أول ابتسامةٍ منذ موته، وعرفت أن الكنز الحقيقي لا يُستخرج... بل يُغرس.
تعددت الأيام التى يصعب نسيانها ... يوم وفاة زوجها ،انطفأت الشمس من بيت "الحجة" أمّه... يوم العزاء، صرخت من فرط الحزن: من أوصيت عليّ من بعدك يا ولدي؟!
صمت الجميع , الكل حسب الميراث والبيت, إلا ريحانة قامت من بين النساء، وعانقت الحجة وعلى ثيابها رائحة التراب والكفاح، وعلى قلبها وقف جبل الحزانى ،صرخت وقالت في أذنها بصوتٍ متهدج:
-أوصاكِ أنتِ علينا يا حجة.
كانت تلك الجملة أثقل من وصية الأنبياء.لكنها الأقدار وما كتبت.
مرت الأيام ،وسرق الحزن جمال الحجة ،وأطفأت الدموع عينيها ،اصبحت ضريرة ،تحتاج من يقودها الى الخلاء، ويشترى لها الطعام والأدوية.
ما كان بين الحجة وولدها ،ليس بر للوالدين ،كان عشقا أبديا ،كان روحها ،نظرها ،قلبها الذى ينبض بين الضلوع.
اصبح العهد أثقل وأجمل وألطف على قلب ريحانة ،عاهدت الله قبل البشر ان تغني الحجة عن كل البشر ،وان تكمل مسيرة زوجها مع والدته ،التى اصبحت والدتها دون أي منافس.
ومنذ ذلك اليوم، لا تعود ريحانة من أرضها إلا وبيت الحجة قبل بيتها, تقف تحت النافذة وتنادي من الدور الأرضي احتراماً لأهل البيت حيث تسكن الحجة بيت العائلة مع باقى ابنائها : يا حجة ؟!
فتسمعها العجوز الضريرة، تستقبلها بلهف ،تشم فيها رائحة الغائب الغالي ،تجلسها بجوارها ملاصقة ، تمد يدها المرتجفة تتحس طرف جلبابها، خوفاً أن تقول لها, "سأرحل".
تضع ريحانة في حجرها: خيارةً، وفلفلةً، وباذنجانةً، وحزمة نعناع. قليلٌ من الدنيا، كثيرٌ من الوفاء , فتشمها الحجة وتبتسم ابتسامة طفلة، وتقول:
-ما زال ولدي يرسل لي الرزق من أرضه.
بحثت القرية كلها في باطن الأرض عن كنزٍ يغنيها اعواما, ووجدت ريحانة كنزها فوق الأرض... في حضن امرأةٍ ضريرة، وفي دعوةٍ صادقة:
-الله لا يحرمك من عافيتك يا بنت الأصول .