مساحة إعلانية
كنت منشغلاً بتدقيق الأرقام التي سجلها زملائي على السيستم، كعادتي كوني الأقدم...
وكان ذلك يشغلني عن كل شيء حولي، حتى عن كوب الشاي الذي أحضره عم سعد منذ وقت، ووضعه على مكتبي، ولم أستطع أن أرد عليه تحية الصباح التي ألقاها، بسبب انشغالي..
وحين انتبهت إلى الشاي، وسارعت للإمساك به، وجدته قد برد لكنني لم أشأ أن أطلب غيره توفيراً لنفقتها، فبدأت أشرب منه في سرعة، لأعود إلى عملي الذي أقوم به..
ونظرت حولي، فوجدت زملائي جالسين مع بعضهم، متحلقين حول مكتب إحدى الزميلات، وكانوا يتكلمون طويلاً، وعلى وجوههم الجد..
وتأملت برواز صغير أضعه على مكتبي، أحرص دائماً أن أنظر له بين الحين والآخر، وبه لوحة صغيرة مكتوب عليها آية القرآن التي أحبها..
واقتربت مني هناء، ووقفت أمامي، فقلت لها باسماً:
– ركزي في الأرقام التي تدخليها إلى السيستم.. وجدت لك أربعة أخطاء!
– عن أي أرقام يا أستاذ عبد الحليم التي تتحدث عنها؟ دعنا في ما نحن فيه بالله عليك!
– هل هناك شيء؟! لاحظت أنكم من أول اليوم وأنتم مجتمعون على هذا الحال!
– طبعاً أنت ولا أنت هنا. اليوم نتيجة التقييم يا أستاذ..
وكان التقييم شيئاً مبتكراً، وضعته إدارة الشركة منذ أول العام..
وكان مؤداه أن من يفشل في التقييم من الموظفين، سيتم توجيه الشكر له، والاستغناء عن خدماته..
قلت:
– الآن فهمت. لا تقلقوا. أغلبنا يؤدي عمله جيداً ولا يقصر..
– من قال لك ذلك؟ المدير؟!
– لا، ولكن هذه شهادتي في الجميع..
– أنت رجل طيب. التقييم يا أستاذ عبد الحليم حجة للاستغناء عن الموظفين لتوفير النفقات في الشركة..
– لا تفترضي السوء..
– طبعاً أنت لا يهمك، يدك في الماء البارد فانت الأقدم والأكثر كفاءة، وذراع المدير الأيمن.. والأيسر أيضاً.
فضحكت من قولها، وأشفقت على حالها، ودعوت لهم أن يمر التقييم على خير، كي يستريح بالهم، ثم استأذنت منها أن أعود إلى عملي..
وعند الظهر، طلبني الأستاذ محجوب مدير الإدارة، فذهبت إليه..
وكانت علاقتي به أكثر من ممتازة منذ أتى إلى شركتنا من عامين، وكنت أساعده في عمله، وأنقل تعليماته إلى الموظفين باستمرار.
وقال:
– الحقيقة يا عبد الحليم لا أعرف كيف أنقل لك هذا الخبر؟
– أي خبر؟ هل يتعلق بالعمل؟
– بالتأكيد.. أنت تعرف أن مالك الشركة قد طلب بنفسه تقييم الموظفين القدامى ولم يمنحني فرصة تقييمهم.
فقلت في سري: هذا مفهوم. والحق أن الأصوب في حالي مع مدير إدارتي أن أقيمه أنا ولا يقيمني هو!
وأردف:
– وقد جاءت نتيجة تقييمك للأسف سلبية.
– سلبية؟!
– نعم، ولا أعرف كيف حدث هذا؟
– يبدو أن في الأمر خطأ...
– قلت ذلك لمالك الشركة، قلت له أن عبد الحليم هو من يساعدني في العمل، وأنه من أول يوم لي في الشركة عاونني بخلاف كل زملائه القدامى الذين بخلوا علي بالمعلومة، ولكن لا حياة لمن تنادي..
ظللت صامتاً لا أعرف ما أقول.. واصل:
– هل تحب أن تذهب إليه لتكلمه؟
قلت على الفور:
– لا.
وكانت كرامتي تمنعني أن أذهب إلى أحد لأستجديه شيئاً..
وخرجت من عند المدير ساهماً مطرقاً، وتوجهت نحو المكتب ألم حاجاتي..
واقترب مني الزملاء، وقد عرفوا الخبر بعدما انتشر في الشركة، فأظهرت لهم الابتسام، وأخذت أردد:
– الأرزاق بيد الله..
وخرجت من باب الشركة، بعدما ودعتهم جميعاً..
واقتربت من سيارتي، وإذا بي ألمح هناء واقفة هناك تنتظرني!
قالت لي في انفعال:
– لماذا لم تكلم الملاك؟!
– تعرفينني لا أحب أن أستجدي أحداً شيئاً.
– هذا ليس استجداء، إن هذا حقك..
حاولت المزاح، فقلت:
– رأوني غير كفأ بعد تلك السنوات، ويبدو أن لديهم مشكلة في النظر..
واصلت انفعالها:
– المشكلة ليست فيهم، بل المشكلة في محجوب..
– محجوب؟ ماله؟!
– هل أخبرك أنه هو من وضع التقييم؟!
– نعم..
– خبيث.. إنه هو من وضع التقييم، وهو من منحك ذلك التقييم السلبي. والأدهى إنه كان ينقل صوراً سلبية عنك طوال الوقت لمالكي الشركة..
– معقول؟!
– كنا نسمع ذلك الكلام طوال الوقت، والآن تأكدنا من صحته..
– وأين كنت أنا من كل ذلك؟!
– كنت منشغلاً بالعمل يا أستاذ..
ظللنا واقفين، ولم أعرف ماذا أفعل..
قلت في شرود:
– ولماذا يفعل ذلك؟!
– لأنه كان يخشى أن تأخذ مكانه. يعلم إنه ضعيف ومكروه، ويراك أفضل منه في كل شيء، فقرر أن يزيحك عن طريقه بحجة التقييم الذي ابتدعه في الشركة..
وأردفت في استهزاء:
– محجوب الذي أتى للشركة حماراً لا يفقه شيئاً أصبح يقيم ويطرد ويبقي!
قلت في أسف:
– لقد أنتهى الأمر.. وعلى كل حال متشكر لكلامك.
وذهبت للبيت حزيناً، لا أستطيع أن أواجه زوجتي وأولادي، فظللت أغلق الباب علي طوال المساء..
وأخذت أفكر فيما حدث اليوم..
والحق أنني قد اغتظت من الكلام الذي عرفته عما كان يحدث معي، وأنا لا أدري وأتعامل بحسن نية مع محجوب، ولا أعرف إنه يطعنني من ظهري بهذه الطريقة..
وسمعت أذان العشاء، وقمت لأتوضأ وأصلي..
ولمحت زوجتي تنظر نحوي في إشفاق، ومنعت أولادي برفق عن التعلق بي وأنا أتجه للصلاة، وقالت لهم:
– والدكم مرهق اليوم..
وسمعت جرس الباب يرن، وصوت زوجتي يقول:
– أهلاً وسهلاً تفضلوا..
وبعد الصلاة توجهت نحو الصالون، وإذا بي أجد زملائي قد أتوا لزيارتي.. ابتسمت لهم مهوناً من الموقف، لكنهم فاجأوني بصيحاتهم وتهليلاتهم!
وصاحت هناء ضاحكة كأنها في مظاهرة:
– جاء الحق وزهق الباطل!
وقلت لهم:
– ما الأمر؟!
– الله لا يرضى بالظلم يا أستاذ عبد الحليم، لقد توجهنا جميعاً إلى مكتب مالك الشركة. وسألناه جميعاً عن سبب الاستغناء عنك، فقال ما ذكرناه لك في النهار أنه بسبب التقييم ونتيجته السلبية، التي وضعها الأستاذ محجوب. وأقسم لنا أنه كان غير راضياً عن ذلك القرار، وأنه تفاجئ أن تكون أنت الوحيد الذي يتم الاستغناء عنه، بالرغم من وجود موظفين آخرين غير أكفاء مثلي أنا بالطبع، ولكننا لم نسكت فأخذنا نكلمه ونذكره بك وبكفاءتك، وأخبرناه بالغيرة التي في نفس محجوب تجاهك، فأقتنع وتراجع عن قراره، وأرسلنا لك نطلب منك أن تعود من الغد للعمل كأنه لم يحدث شيئاً!
فظللت أنظر لهم مبتسماً في امتنان، ولساني يعجز عن شكرهم..
وقضينا وقتاً لطيفاً، شاركتنا فيه زوجتي، التي علمت بالأمر، وعاتبتني – بعد أن انصرفوا – على عدم بوحي لها بسبب حزني منذ أتيت، فأخبرتها بأني لم أشأ أن أضايقها لا هي ولا الأولاد..
ودخلت إلى الغرفة كي أنام، وتأملت الحقيبة التي لملمت فيها حاجاتي في الصباح..
ونظرت للبرواز الذي يضم اللوحة المكتوب بها الآية التي أحبها، وقرأتها وأنا أحس سعادة:
– إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً!