مساحة إعلانية
تُحملقُ في سقْفِ الحجرة غائبًا في عالَمك البعيد، تبتسمُ تلك الابتسامة الملغِزة!
هل هي لي؟
هل هي لأناس رحلوا تُحادثهم وتناديهم؟ أمَا لهذه الأشباح التي تسكن غرفتي أن ترحل؟ هل آن لك أن تُغادر وتتركني وحدي مع أشباحك؟ هل هذا هو الموت الذي اخترته طواعية؛ لتهرب من حزن مقسوم, من عذابات تتوهَّج كلَّما داهَمك الحنين إلى مَن مضَوا؟
أعرفُ أنه لا جدوى من الوقت الذي يمُر بطيئًا، وأنا أنتظر منك لحظة صحْوٍ تسألني فيها عنِّي, وحْشة البريق، التي تجتاح عينَيك عندما ترى ارتعاشاتِ جسدي، وأنا أُحاول اصطياد كلمات، تستطيع أن تُخبرك دون خجَلٍ بأني عاشقةٌ.
لقد كبرتُ، لم أعد غاليتَك الصغيرةَ، التي تصطفيها؛ لتقتاتَ النوم على عتبات أحجيتك، حين تغزل من الغياب حضورًا لجِنِّيَّات مسخَّرات لتحقيق ما أتمنى، وحين ينقضي الليل، وأمنياتي ما زالت عالقةً بين السماء والأرض, تقول لي: انتظري فقط حتى تكبري.
لقد كبرتُ يا جدى، واعتلى الشيبُ رأسي, أشتهي كَونَك القديمَ, أُحبُّ أن أقولها لك مطمئنة: إن الجنيَّاتِ قد وفَّينَ بوعدِهنَّ, هل ستسألني:
مَن هو؟
وكيف عبَرَ إلى قلبكِ؟
وأيُّ الطُّرُق سَلَك للوصول؟
كنت واثقة بنفسي، أحملُ قلبي معي، مطيعًا، لا خوف معه من خوْض حروب خاسرة؛ لكنه في طيشٍ أرعنَ انفلَت منِّي، وقادني إليه، لم يَقُلْ لي: أُحبك؛ بل قال لي: إنه قرأ طَوق الحمامة لابن حزْم, حدَّثني عن الحب وماهيته وأوصافه.....
"ومن الدليل أنك لا تجِد اثنَين يتحابَّان إلا وبينهما مشاكَلة واتفاق، وكلَّما كثرت الأشباه؛ زادت المجانَسة، وتأكَّدت الموَدَّة."
على ناري المتَّقِدة، طبَخَ الحُب على مهلٍ، أرسل قطعانًا من الحُلم تُداهم نومي وصَحوي، تخبرني أنَّ ثمَّة معجزةً قادمةً ستفتح أبوابيَ الموصَدةَ، ستتجلَّى وتقول: هئتُ لكِ.
أنتظرُ الليل ليهاتفني ويقول لي: كيف حالُك؟ تُصبحين على خير.
ما بين سؤالٍ عن حالي، والذي يفتح مُدنًا للكلام، وينحسر مهزومًا عند كلمة تُصبحين على خير, يتركني النوم الذي ما عُدتُ أستلذه؛ إلا لأرى وجْهه الموسومَ في ذاكرتي، أقطع أكُفَّ الشهوة، وأقدُّ قميصَهُ؛ فيركضُ محتميًا بامرأة أُخرى.
جعلني أحبو على أعتاب قلبه، هذا شأني في غيابك، كم احتَجْتُ أن تستفيق، لأحكيَ لك عن بنت مكسورة القلب!
نسيتُ أن أقول لك: إن لهُ امرأةً أُخرى، يبثها غرامَه على فِيس بُوك, صفحته صارت وِردي اليوميَّ، الذي لم أُخلفْه أبدًا, أنا لا أعرفُ لماذا أفعلُ ذلك, لماذا أعذِّب نفسي، وأنا أراهُ يحتضِنها, عيناه ترشفان عِشْقَها؟! أسكبُ على قلبي جبالاً من الثلج؛ فيزداد احتراقي, أبحثُ في صُوَره عن صورة منفردة لهُ؛ فلا أجد, هو كظِلِّها, هي كتوأمِه الملتصِق.
أعلمُ أنك تجهل فِيس بُوك؛ فآلزهايمر - الذي أكمَل معك الآن عامَه العاشِرَ - غيَّبك عن عالَمي، جعلك تنسى اسمي.
لقد وعدتَ ألَّا تنسى؛ فنسيتَ, فقط تذكرُ اسم أخي الأكبر, ربما تتذكَّر وَجَعَكَ منهُ، لقد أراد أن يضعك في دارٍ للرعاية، قال: إنه لا قُدرة لهُ على الذهاب يوميًّا إلى المستشفيات وأقسام الشرطةِ للبحث عنك, في المَرَّةِ الأخيرةِ لغيابك، كنتَ هناك في حديقة مهجورة، تجلسُ وحيدًا على كرسيٍّ متهالكٍ، ربما صمَد قليلًا رأفةً بك, تنتظرُ جدتي، قلتَ إنها وَعَدتك بالمجيء، لقد استلذَّت الغياب, وتركتك تتوسَّد الفقدَ، وترتِّب سنينَ عشرًا للموتِ, عقلك أصبح فارغًا إلا منها.
ستعودُ محمَّلاً بالترابِ، الذي نثَرهُ أخي على رأسك عندما تشبَّثت بمقعدك المتهالك، الذي كان رحيمًا بك، لكنه تهاوَى بعد صمود؛ فانكَسَر, وانكسرتْ معه ذراعُك, عُدتَ إلى البيت تحملُ دَمًا متخثِّرًا وقلبًا مكسورًا, تتمدد على الأرضِ، لا تقوَى على النهوضِ, تركَك أخي ومضَى، صارخًا متوعِّدًا. إنها المَرَّة الأخيرة التي يترك فيها عمَلَه وبيتَه، ويبحثُ عن عجوز هَرِم، لا يجلبُ له سوى الفضائح، في المَرَّة القادمة سيتركُك لكلاب الشارع تأكلك؛ فُتريحُ وتستريح.
وَدَدتُ أن أقول له: كل ما أنتَ فيه من مالِ جدي، الذي كتبه أبي طواعيةً لك، وحرمني منهُ، لكنني سكتُّ سكوت العاجزة الخائفة.
يبكي جدي شيخوختَه، التي تُعاني الحنين إلى مَن مضَوا، يفتقدُ واقعَه، يعيشُ كَوْنَه القديمَ، يستحضر مَن غابُوا، ينظر لي في عِتابٍ: كيف تركتِه يفعل بي ما فَعل.
وعَدتْني جدتكِ بالقدوم، أحضرتُ لها زهورَ الرمَّان، قطفتُها من حديقة المنزل، هي التي زرعتْها, ربما أخوك أراد لزهوره أن تنضُج, قولي لهُ إنني لن أقطفَها، سأتركها لتذبُلَ وتصيرَ ثمارًا دامية، فقط ليتركَني أذهبُ إليها، أعلم أنها مازالت تنتظرني.
أنا جائع! لماذا تمنعون عني الطعام؟ أتريدون نقودًا؟ أنا أُريدُ الذهاب إلى عملي؛ ألبسيني ملابسي, أنا... أنا أتألَّم.... أنا...... ذراعي... أبولُ على نفسي... أنا أُريدُ الموت.
بعض الذكريات تمرُق في تعاريج عقله الفارغ كصفحة بيضاء، كل يوم يُعبِّئها بما يحلو له، يمحو ويكتبُ حيواتٍ جديدةً، يعود طفلاً يبول على نفسه، يظَل مستيقظًا حتى الصباح، يطلبُ فعلاً واحدًا، يكرِّر جملة وحيدة: أُريدُ أن أشرب. أُعطيه كوبًا من الماء، يترك يَدَه منسدِلة، لا يتناوَله، أُحاول أن أسقِيَه؛ يضُم فمَه الذي امتلأ بالقُرَح ...أُريد أن أشرب....
خلعتُ ثيابه، ألبستُه غيرَها، ما عدت قادرة على حمْلِه؛ تراخَى جسدُه, جبَّر الطبيب كسْرَه, لكنه لم يستطع تجبير رُوحه, بَكَى, ضمَمْتُه إلى صدري؛ فغَفَا.
"لابد لكل حُبٍّ من سبب يكون لهُ أصلٌ."
مـــــا أسبابي في أن أُحبك، فما أبعدني عنك وأبعدك عني، كل ما يصِلُني بك مستحيل، وكل سبيل يصلني بك مقطوع, أنت لك زوجة تحكي لي عنها, عن الألوان التي تُفضِّلها, ِعطرها الذي تنثرهُ حين عودتك, مغامراتك مع أخريات, ندمك الدائم حين ترى ابتسامتَها, تعِدُ نفسك ألَّا تفعلها وتخون؛ ولكنك تفعلها!
ما الذي قادَني إليك؟ أنا المتسربِلة بالخوفِ من الرِّجَال، أنا التي أغلقتُ قلبي، أوصدتُ كل ما يصلني بهم؛ لكنك عبَّدتَ طُرُقي، واحتللتَني؛ فلم أعد قادرة على المقاوَمةِ , أنت لا تراني.
لماذا لا أكون كأخريات لك؟ سأقبلُ كَوني واحدةً من قطيع نسائك, أعلمُ أنه حُبٌّ منقوص, الحبُّ لا يكتمل إلا بين اثنَين لا ثالثَ لهما, ولكنَّني رضيتُ!
وجدتُني اختار الألوانَ التي تُحبُّها, أنثرُ العِطر الذي تُفضِّله!
في المساءاتِ الموحشةِ أتغاضى عن برْدِ الغُرفة، نداء جدى المتواصِل، عن أشباحٍ تتجسَّد أمامه، عن كآبات تمرُقُ من أمامي, ألوذُ بك، أستعير اسمَ زوجتِك، أكون هي، أهُشُّ أولادنا الأشقياءَ، أُروِّض أحلامي؛ كي تبقى شاخِصة، أشهدُ ميلادي وهو يُكتَب على يدَيك, تتقافز أمنياتي كعصافيرَ خائفة عندما يصلني صوت جدي وهو يصرخ, تمتلئ مثانته، ويأبَى التبوُّلَ في الحفَّاض, يتسنَّد عليَّ ليذهب إلى الحمَّام، أُجلِسه، يُصِرُّ على تَرْكه وغَلْق الباب خَلْفي، أُبقيه موارِبًا؛ أرقبهُ خوفًا عليه من الوقوع على الأرضِ, تبتَلُّ ملابسُه، أدهِن ظَهْرَه بمراهمَ لقُرحِ الفِراش، التي أصبحت كحروق النار على جسده الواهن, أُعطيه حَبَّة (أكسليون), وحَبَّةً أخرى من (الزميل), قال الطبيب إنه بعد فترة سيفقدُ قدرته على البلْع, أضعه في فِراشه, يعود من غيبته الطويلة، يتذكَّرني...
هل أحببتِ؟
وقبْل أن أُجيب، يعودُ إلى هذيانه، وأعود أنا إلى أحلام مؤجَّلة لحبيب قد يُبصِرني, أتفقَّد جدي؛ فقد صمتَ على غير عادته، صدرُه يعلو ويهبط بسرعة، ابتسامة تحتَلُّ وجْهه, تبدَّل جسده؛ صار عفيًّا، يُحرِّك ذراعَه، يُشيُر إلى الفراغ، ربما لأُناس يراهم في مخيَّلته, يُحاولُ النهوض، أُسرع إليه، أمسك بيده، أحتضنه، يلفُّ يدَه حولي، يهمس في أذني: جدتك تُقرئك السلام. يتهاوى جسده، أتلمَّس فيه الدفء؛ فيصيبني الصقيعُ الذي توسَّده؛ أسرع إلى الهاتف, أبحث في الأسماء الموجودة في الهاتف؛ فلا أجد غيرَك، أتَّصِل مَرَّات عِدة؛ لا تُجيب، أريد أن أحتمى بك من فقْدٍ لا أريده، أحكى لك كيف سأصبح وحيدة، أريد أن تستمع إليَّ، تحتضنني، تربت على كتفي، تقول لي: لا تخافي أنا معك.. أمد يدى إلى الهاتف، أتسمَّع إلى ضحككما, وهمْسُ الوسواس يطِنُّ في أذنيَّ بأنكما تحشدان مزيدًا من الوجع لي, تُخيِّرك بيني وبينها, أعلمُ أنك ستختارني، أنا التي هيَّأتُ العمر والجسد لك، أنا التي أتوضَّأ بنهارك، وأُصلي ليلَك؛ حتى ترضى عن قلْب أتعَبه الركْض للوصول إليك, أنا وَصْلك واتصالك, لا تسمعْ لهم, هم يقولون عنِّي مجنونة، ذهَب عقلُها عندما مات جدُّها, هم المرضَى.. جدى مازال معي،معي، يتوسَّد ذراعي، بعض الصقيع في جسده لا يعني الموت، لقد فعَلها مئات المَرَّات وعاد, منذ أودعوني تلك المصحة، من عشْر سنين، وأنا أُغافلهم وأراك, لم تُفلح أدوية الذُّهان - التي أتجرَّعها - في محْوِ صورتك, (زيبريكسا, سوليان, ميلاريل).
كلهم متواطئون، حتى زوجتك - تلك التي تُخيِّرُك بيني وبينها - متواطئة، أراها كل مساء تُحيط رأسي بأسلاك، تربُط جبهتي بها، تُشيرُ إليهم، تُعدِّل من وضْع الجهاز. تسعة أمبير غير كافية لنسيانك، تتقلَّص عضلاتي، تصيرُ ككُرة، تنقبض على بعضِها، يهتزُّ جسدي اهتزازاتٍ عنيفةً، تنمحي الذاكرة لثوانٍ، إلا منك ومن جدي، فأنا أدُسكما في مكان قصيٍّ، لا تُفلح الصدمات الكهربائيةُ في الوصول إليه, أنا الآن أراها تتسلل عبْر أسلاك الهاتف؛ لتمارِسَ طقْسَها المعتادَ في تعذيبي، لكنني سأباغِتُها وأُغلق سمَّاعة الهاتف، سأسمح لك وحدك بالمرور, أنت الآن تتشخَّص أمامي, يستفيق جدِّي من موته, أتناوَل شريطًا كاملاً من كبسولات (الريسبيريدون)، أخذتهُ في غفلة منهم, يبتعد كل مَن غيَّبني عنك: الأطباء.... المتآمرون... أخي الطامع في إرثي... زوجتك التي أخذَتك منِّي عنوةً...
كلُّهم يفرُّون، وتبقَى أنت... وجدِّي يقودنا إلى عالَم رحيب!