مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قصة قصيرة : صلاة التيهِ... بقلم إيمان العطيفي

2026-06-05 12:07 AM  - 
قصة قصيرة : صلاة التيهِ... بقلم  إيمان العطيفي
إيمان العطيفي

بعض البدايات ليس لها نهاية ،عكس ما يقال.لم تكن فكرةً يدركها العقل، ولا ذكرى يحنُّ إليها القلب، ولا حلماً يفيق منه المرء.كانت سهرة رعشة القلب المسجى فوق أرصفة الفقد.عبرت خطَّ ظله في عصر يومٍ خريفي، تحمل كتباً فوق صدرها وعينيها تهربان من الزحام. 

تلك التي حين مرت، علمت الضوء كيف ينحني احتراماً، فاستقال الليل من عتمته، وتقاعدت الوحشة من صدره بلا ضمان.

وقف جمال مشدوهاً. لم يسأل عن اسمها، ولم يجرؤ على الاقتراب. 

لكنّه صار بعدها مدينةً بلا خرائط؛ لا يعرف شماله من جنوبه، لكنّه يعرفها هي . لم  يدور حولها ككوكب، بل سقط فيها كنيزك يحترق.إن صمتت يصمت ، إن تبسمت تكفيه ابتسامتها،  ليولد من جديد.اقترب منها بعد أسبوع، بقلب يرتجف أكثر من يديه وتمنى ان يبوح لها باشواق أرقت مهجعه : أنتِ الجهة التي ظللتُ عمري أبحث عنها. لستِ فصلاً في كتابي... بل اللغة التي كُتب بها الكتاب كلّه .

ابتسمت سهرة ولم ترد. غلبها حياءها ,لكن عينيها قالتا: وأنا وجدتُ جداري أخيراً . بعض الهوى لا يقبل التأجيل، خطبها بعد شهر. وعدها أن يكون ظلّها الذي لا يثقل، وجدارها الذي لا ينهار. لم تطلب منه مهرا ،ولا منزلا بصك ملكية ،ولا سيارة تهرس بها خطايا الطُرقِ.

تزوجا في شقةٍ صغيرة، جدرانها بيضاء وضحكتها تملأ كل ركن.

باتت أيامهم الأولى نشيداً. يصحو قبلها ليعدّ القهوة، وينام بعدها ليستمع إلى أنفاسها.لم يكن ينتظرها ولا يخشى غيابها؛ فالجهات لا تأتي ولا ترحل، بل تُستقبل بالوجه، ويُصلّى نحوها بالتّيه.أدمنت جملته الليلية قبل أن يغلق المصباح:

-انت وحدك كتابي وما عداكِ هوامش يملؤها الغبار.

  عمل سهرة يقتضي السفر، والاختلاط، والحديث مع الرجال. كانت خوفاً من أن يضيع الضوء الذي تعلّم الانحناء له ،وعلمه الوقار .

بدأ بسؤال: لماذا تأخرتِ؟ من الذي يهاتفك؟!

ثم صار صمته أثقل من سؤاله.

حاولت أن تشرح: غيرتك تقتلني . أنا لك، وانت اصبحت سجنا . 

وكان يردّ بصوتٍ مكسور:

-ما أنا سوى ظلٍّ تعب من الهرب، وجد أخيراً الجدار الذي يستحق أن يلقي عليه ثقله .

تشاجرا ليلة . صرخت: "أنت تخنقني!

صرخ: وأنتِ تقتلينني ببرودك . 

وفي منتصف الشجار، وهي تبكي، قالها بصوتٍ خافتٍ يكاد لا يُسمع: انت لي وحدى .  لكن الكلمة ضاعت وسط صوت الباب وهو يُغلق. 

تكررت المشاكل كل سفرٍ لها  قبراً صغيراً في قلبه.كل ابتسامةٍ منها لغيره  سكيناً. حتى انهار الجدار الذي ألقى عليه ثقله دون أن يسأل عن الشمس.

جلسا في صمتٍ طويل ذات مساء. الأوراق أمامهم، والبيت الفارغ يشهد. 

وقّعا. وانتهى الكتاب الذي كُتب بلغتها وحدها.رحلت سهرة وتركت وراءها صمتاً له قوام.وبقي جمال وحيداً في مدينةٍ بلا خرائط من جديد. يسير في الشوارع التي مشيا فيها، يحاور البدر المطفىء بدونها ،يذهب الى صخرتهما على شاطىء البحر يشكو حزنه. فهم أخيرا ،هى ليست فكرةً ليفهمها، ولا ذنباً ليتوب عنه.هي الجهة التي خسرها بيده.وفي كل ليلة، قبل أن يغلق عينيه على وسادةٍ باردة، يهمس للعدم الذي صار له شكلٌ بعدها: 

-أحبك وأنت أمامي...، احبك وسط الخلافات...، أحبك بعد الفراق....

 اصبح  بعدها الغياب ماؤى ، و الحزن وطناً يسكنه.مرّت على التوقيع شهور ثقيلة كأنها سنين.عاش الحياة بمرارة وغصة حلق.   لم يستطع نسيان وجهها، حتى رآها صدفة. في معرض الكتاب، بين الرفوف والزحام، التفت فرأى الجهة التى افتقدها ،يوم غير قبلته.سهرة واقفة أمامه تماماً. أنحف قليلاً، وشعرها أقصر، وعلى وجهها هدوء لم يعهده من قبل. تجمّد الزمن. لم تعد هناك كتب، ولا ناس، ولا ضجيج. كانت هي فقط... الجهة التي ضلّ عنها  يوما ،حن قلبه لصلاة الشوق.خطت قدماه رغماً عنه،المسافة شبر يفصل بينهما.رائحة عطرها القديم ضربت صدره كسهم. نفس الرائحة التي كان يصحو عليها كل صباح.

قلبه صرخ: ارتمِ في حضنها. قل لها سامحيني. قل لها أن العدم بلا قوام من دونك .

لسانه احترق بكلمة آسف كادت أن تخرج.لكن يديه تذكرت أن المسموح الآن هو فقط سلام باليد.مدّ يد إليها، مرتجفة، باردة كيد ميت.مدّت يدها اليه بابتسامةٍ مهذبةٍ لا دفء فيها. لا لوم، ولا عتاب ,لامست أصابعها أصابعه لثانيةواحدة فقط... لكنها كانت كافية ليستعيد كل شيء: 

قهوة الصباح، شجار المطر، همسه لها : بحبك وسط الخلافات ، وصوت الباب وهو يُغلق.

سحبت يدها سريعاً، كأنها تخشى أن تحترق.رفع عينيه إليها أخيراً. أراد أن يقول كل شيء. أراد أن يصرخ ،يعترف، صرعه الشوق اليها  ،كالأيام الخوالي.لكن الحروف ماتت على شفتيه.

قالت هي بصوتٍ هادئ : أهلاً جمال... كيف حالك؟ 

فأجاب بصوتٍ لا يشبه صوته: بخير... ما دمتِ بخير .

سحبت يديها عينيها،نبض قلبها ، وعبرت من أمامه كما عبرت من قبل خطّ ظله.لكن الضوء هذه المرة لم ينحنِ. والليل لم يستقل من عتمته. 

وظلّ جمال واقفاً مكانه، يديه في جيبه، يضغط على الهواء الذي لمس يدها، ويعيد في سرّه جملة واحدة: المسموح سلاماً باليد... ليته كان حضنا؟

الكتاب الذي كُتب بلغتها... بات ناقصاً سطوره الأخيرة. لم يلتفت أحدٌ لقلبه وهو ينكسر ولم يحاول هو تطبيبه.وفى احدى الصباحات اليتيمة ،جالساً كعادته، يمرّ على صفحتها صامتاً، يراقب صمتها من بعيد... كالمعتاد ، رأى الكلمة "نعي" , بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره.... سهرة...توقفت الدنيا. لم يسقط هاتفه من يده، بل سقط هو من الداخل.

قرأ الاسم مرة... واثنتين... وعشراً. كأن الحروف لو قرأها كفاية ستكذب وتتحول لـ مبروك رجعت . لكن الكلمات لم تكذب.جثا على ركبتيه وسط الغرفة الفارغة، والشاشة تضيء وجهه بضوءٍ بارد كضوء القبر ، صرخ باسمها فاهتزت الجدران.لعن كل لحظة مرّت ولم يقل فيها: أحبك وأنت أمامي.لعن كل شجارٍ انتصر فيه كبرياؤه وخسرت فيه هي.لعن العند الذي تمسّك به كأنه طوق نجاة، وهو في الحقيقة الحبل الذي شنق به قلبين.

لعن اللحظة المنكوبة في معرض الكتاب، التي تركها ترحل وظهرها له، 

وهو متأكد يقينا أنها أحبته أكثر مما أحبها هو.

لكن الجهات إذا رحلت... لا تستقبل بالوجه , والموتى لا يصلّى نحوهم بالتّيه.ومن يومها صار جمال مدينةً بلا خرائط للمرة الثانية. 

لكن هذه المرة بلا بوّصلة. 

 الجهة ماتت... وبقي العدم وحده له قوام.كتب نعيا على صفحته ،لكن الأحرف لم تستجيب لنحيب مكتوم.خانته اللغة ،سياق الجمل ،غطت دموعة لوحة المفاتيح ،أرسل نعيا آخر للجريدة التى أدمنت قراءتها ،كنوع من توثيق العذاب الناهض من بركان الوجع.مضت أيامٌ ثقالٌ على نشر النعي، حتى أدرك جمال أن الحبر الذي كتب به الرثاء لا يكفي.فقرر زيارتها ، لا لوداع... فالوداع تأخر كثيراً... بل لاعتذارٍ تأخر أكثر.

وقف أمام الباب الحديدي للمقابر عصر يومٍ غائم. السماء بلا لون، والهواء بلا صوت.كأن الطبيعة كلها خلعت زينتها حزناً عليها.سار بين الشواهد بخطى واجفة، يقرأ الأسماء ولا يرى إلا اسمها حتى وصل.شاهدٌ من رخامٍ أبيض، بسيطٌ كنقاء قلبها، مكتوبٌ عليه: 

سهرة... في ذمة الله

والتاريخ تحته كخنجرٍ في صدره.

جثا على ركبتيه. لم يبكِ. فالدموع جفّت ، وضع كفه على الرخام البارد، كأنه يلمس يدها في المعرض مرةً أخرى.الصمت كان أبلغ من أي كلام. ترابٌ يفصل بينهما الآن، كما فصل العناد بينهما من قبل , ثم همس بصوتٍ مبحوح، يخاطب التراب كما كان يخاطب عينيها: جئتُ متأخراً كعادتي يا سهرة. جئتُ بعد أن صار المسموح والممنوع سواء.

سكت لحظة، ثم تابع والكلمات تخرج من قلبه قبل لسانه: كنتُ أظن أن الحب تملّك. فكنتُ أسألكِ وأحاسبكِ. ولم أدرك أن الحب تحرير. 

وها أنا اليوم أحرركِ من لعناتي، ومن غيرتي، ومن ذكرياتي التي كانت سجناً لكِ وأنتِ حية. وضع جبهته على الشاهد البارد ،تنهد تنهيدة رجلٍ مات ولم يُدفن بعد: ليتكِ تعلمين أنني ما كرهتُ لحظةً في حياتي، قدر كرهي للحظة التي تركتكِ فيها تمشين وظهركِ لي.وأنا أعلم يقيناً أنكِ أحببتني أكثر مما أحببتكِ. 

غفر الله لي، وغفر لكِ صبركِ عليّ.

جلس هناك حتى ابتل الرخام بماء المطر الذي بدأ ينزل خفيفاً. المطر يغسل الحجر، والدمع يغسل القلوب. قبل أن ينهض، التقط حجراً صغيراً من الأرض ووضعه فوق شاهدها ووضع بجواره جورية حمراء ،عرف من كتب المقابر أن وضع الحجر علامة... معناها: كنتُ هنا. لم أنسكِ. وسأعود . نهض أخيراً، ظهره محني كظهر شيخٍ تجاوز المئة.لم يلتفت وهو يخرج من الباب الحديدي.فالجهات إذا ماتت... لا يُستدار إليها... فقط يصلّى نحوها بالتيه .

مساحة إعلانية