مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قصة قصيرة : عشرون عامًا... بقلم تسنيم الأمير محمد

2026-07-27 04:04 PM  - 
قصة قصيرة : عشرون عامًا... بقلم تسنيم الأمير محمد
تسنيم الأمير محمد

استيقظ من نومه وهو يصرخ: لا، لم أكن أقصد.. أنا لم أرَها. التقط أنفاسه، فقد أيقن أنه مجرد كابوس. حاول أن يهدِّئ من روعه، ثم نهض من مرقده وهو يشعر بتأنيب ضميره مما بدر منه أمس في جوف الليل. خرج من غرفة نومه وجلس على أريكة قريبة، وأخذ يتذكَّر ما حدث.

كان زياد عائدًا بسيارته، وكان الطريق خاليًا تمامًا، إلى أن فوجئ بطفل يهرول نحو سيارته ويصرخ : "احترس، احترس! ستقتلها".. سارع بإيقاف سيارته سائلًا الطفل: "ما بك؟ ومِمَّ أحترس؟" ليجيبه الطفل وهو يصرخ في وجهه: "لقد ماتت، لقد ماتت".. ثم عاد مُسرعًا تجاه منزل قديم يبدو أنه خرج منه للتو، وأغلق الباب خلفه بشدة. ن

زل زياد من سيارته لينظر ما إذا كان هناك شيء ما قد حدث، ليجد قطة سوداء اللون لا تحرِّك ساكنًا، ويبدو أنها قد لفظت أنفاسها الأخيرة، ورغم عدم وجود دماء، لا تزال بعض أجزاء جسدها تحت إطار سيارته، ولكن كيف لم ينتبه لها؟! ولم يشعر أنه قد دهس أو اصطدم بشيء على الإطلاق! وهذا الطفل الذي صرخ في وجهه ولم يتمهَّل أو يُعطه فرصة ليعتذر منه، وهرول إلى الداخل بسرعة وأغلق الباب، ثم لماذا يتركه والداه يخرج في هذا الوقت المتأخر من الأساس؟ ربما خرج خلف القطة دون أن ينتبه له أحد من أهله.

قرر أن يغادر بسيارته من هذا المكان قاصدًا منزله، ولكن عندما خلد إلى النوم راودته الكوابيس طوال الليل، ومشهد الطفل يصرخ حزنًا على قطته التي ماتت دهسًا تحت عجلات سيارته ينغص عليه نومه.. هذا كل ما حدث. قرر أن يريح ضميره ويذهب إلى هذا المنزل ويقابل أهل الطفل، ويستأذنهم في أن يعوِّض الطفل ويشتري له قطًّا آخر أو بعض لعب الأطفال، وبالفعل ذهب إلى المنزل، فهو يعرف الطريق جيدًا، فهو الطريق الوحيد الذي يذهب منه إلى عمله، كما أن المنازل في هذا الحي تتباعد عن بعضها كثيرًا، وهو يسكن في هذا الحي منذ شهر ونصف تقريبًا بعدما أقنعه صديقه محمد أن يأتي ليعمل معه في مصنع والده، فهو صديقه الوحيد وزميل دراسته عندما كان يدرس محمد معه في المدينة، وعندما انتهيا من دراستهما معًا، طلب محمد منه القدوم والعمل معه بمصنع والده في ذلك الحي الهادئ، وأنه ربما يجد ضالته عندما يبتعد عن ضوضاء المدينة، والحقيقة أن زيادًا قرَّر أن يخوض التجربة رغم أن والده يريده أن يبقى في المدينة إلى جانبه ليعمل معه ويساعده في إدارة مطعمه الكبير في وسط المدينة.

ها قد وصل زياد إلى المنزل، أوقف السيارة وترجَّل منها، وقبل أن يطرق الباب سمع صوتًا من خلفه يُحدثه قائلًا: ـ من تقصد هنا يا بُني؟ نظر خلفه فإذا برجُل؛ شيخ مُسن ذي لحية بيضاء.. فأجابه: "أنا أريد مقابلة أصحاب هذا المنزل يا عماه" سأله الرجل مرة أخرى متعجبًا: " كيف تريد مقابلة أصحاب هذا البيت يا بني؟ ,هل أنت غريب عن هذا الحي؟ "أجابه زياد: "نعم، ولكن ما علاقة هذا بكوني أريد مقابلة أصحاب هذا المنزل؟" فأجابه الشيخ: " لأن هذا المنزل مهجور منذ عشرين عامًا". ذهل زياد من كلام الشيخ وقال له مستنكرًا: "كيف ذلك؟ فقد كنت مارًّا ليلة أمس، وكان هنا طفل خرج من هذا المنزل وكان يصرخ بي: احترس، وعندما توقفت وجدت قطته قد دُهست تحت عجلات سيارتي دون أن أنتبه لها، ولولا صراخه ما توقفت، وعندما حاولت تهدئته صرخ في وجهي: لقد ماتت، وهرول إلى داخل هذا المنزل مرة أخرى أمام عينَيَّ وأغلق الباب خلفه بقوة، وبعدها ذهبت، لكنني لم أستطع النوم جيدًا لشعوري بالذنب تجاه الطفل، ولذلك فكرت في أن أعود اليوم للاطمئنان على الطفل ومحاولة تعويضه والاعتذار منه، وقد اشتريت له بعض الألعاب, فكيف تقول إن المنزل مهجور؟ ".

أخرج الشيخ من بين طيات ملابسه صورة لشاب وسيدة يتوسَّطهما طفل يحمل قطًّا أسود اللون، وأشار إلى الطفل بالصورة متسائلًا: "هل هذا هو الطفل؟"أجاب زياد: "ـ نعم . هو.. لقد رأيته جيدًا وهو يصرخ ويقول: لقد ماتت.. وكأنه أيضًا يرتدي هذه الملابس نفسها". قال له الشيخ: "ـ أنت تزعم أنك رأيت هذا الطفل أمس,إذن ما تاريخ يوم أمس؟".  أجاب زياد:" أمس كان الأول من نوفمبر، ألفين وخمسة وعشرين" قال الشيخ:" إذن، انظر إلى تاريخ التقاط الصورة المُدوَّن أسفلها، ما هو؟ ".

نظر زياد فوجده الأول من نوفمبر، عام ألفين وخمسة. قال الشيخ: "ـ أرأيت؟ إن هذه الصورة منذ عشرين عامًا، التقطوها يوم وفاتهم قبل الخروج من المنزل , وقد ماتوا هنا أمام منزلهم , وواصل الشيخ حديثه: "هذا يا بُني منزل ولدي وزوجته وطفلهما، وفي يوم ميلاد حفيدي هذا كانوا قد قرروا كالعادة القدوم والاحتفال به في منزلي، ولكن في ذلك اليوم، أثناء خروجهم من المنزل، ترك حفيدي يد والده مسرعًا إلى الطريق نحو قطته التي كانت تهرول أمامه , صادف ذلك قدوم سيارة مارة من هنا، وقد علمنا بعد الحادث أن صاحبها مخمور وغريب عن الحي وضال الطريق، تفاجأ بالطفل أمامه، وكان قد لحق بالطفل أبواه محاولين إنقاذه والسيارة مسرعة نحوهم، ولكن مع الأسف دُهِسوا جميعًا وماتوا في الحال "

ازداد ذهول زياد وقال: " إذن، هذا الطفل حفيدك، ومات هو ووالداه منذ عشرين عامًا؟! هذا كلام لا يُصدق! , واستدار نحو الباب وأخذ يطرقه بشدة فلم يُجبه أحد، ثم نظر من كسر بزجاج الباب إلى الداخل، فإذا بأثاث المنزل مُغطى بالكامل، ورغم عدم وضوح الرؤية جيدًا، إلا أنه يبدو أن كل شيء بالداخل يكسوه التراب، ولا يوجد ما يوحي بوجود حياة داخله. تراجع خطوات إلى الوراء وقرر المغادرة. نظر خلفه فإذا بالشيخ غير موجود، ويبدو أنه غادر وتركه. اتجه زياد إلى سيارته مسرعًا، وفكر في أن يذهب إلى محمد صديقه، فهو ابن هذا الحي، وربما يجد عنده تفسيرًا لهذا. وصل زياد إلى بيت صديقه وطرق الباب، ففتح له والد صديقه مرحبًا به: "أهلًا يا زياد! أجابه زياد وهو يكاد يلتقط أنفاسه بصعوبة: "أنا بخير يا عمي، أين محمد؟ , أريد الحديث معه".

 خرج محمد من غرفته على صوت زياد قائلًا: " ما بك يا زياد؟ " , أجابه زياد: ـ "أمر جلل يا صديقي، لا أعرف ماذا أقول" ,  فأجلسه والد محمد قائلًا: "اجلس يا زياد، وقُص علينا يا بني ما بك!".

 جلس زياد وقص عليهما ما حدث ليلة أمس مع الطفل أمام منزله، وما حدث اليوم أيضًا ومقابلة الشيخ أمام نفس ذلك المنزل. هنا وقف والد محمد متعجبًا، ويبدو أنه سمع من زياد ما أذهله، وقال له: " ماذا تقول يا زياد؟ إن هذا المنزل الذي تتحدث عنه هو منزل أخي، وهو قد تُوفي بالفعل منذ عشرين عامًا هو وزوجته وطفله، وأنا بعد وفاته لم أستطع استخدام هذا المنزل لأنه يذكرني بحادث وفاته، كما أنه لم يطاوعني قلبي لبيعه أيضًا، لذلك تركته هكذا منذ ذلك الحين، لكن كيف رأيت طفلًا أمس يخرج من المنزل ويدخله؟ هذا لا يُعقل، ولكن ما ذكرته بشأن الحادث صحيح. قال محمد: " أجل يا أبي، فهذا الحادث كان وأنا طفل، وأذكر جيدًا أنك قصصت عليَّ عدة مرات أن الحادث قد صار هكذا، وأنا لم أذكر ذلك الحادث لزياد أبدًا من قبل، ولم تأتِ فرصة للحديث معه مطلقًا عن عمي الذي مات في ريعان شبابه, ورغم غرابة هذا، فإنني أتساءل أيضًا: من ذلك الشيخ الذي قَصَّ عليه كل هذا أمام المنزل؟ ,  قال والد محمد:" نعم، من هذا الشيخ؟ صِفه لنا يا زياد! ", قال زياد: " هو شيخ كبير يبدو عليه الوقار"  ثم سكت زياد فجأة، وكأنه رأى شيئًا أخرسه، وأخذ يشير إلى الحائط أمامه وهو يرتجف. نظر محمد ووالده نحو الحائط وهما يسألان زياد في نفس واحد: "ماذا بك يا زياد؟ ماذا هناك؟ كان زياد يشير إلى صورة معلقة على الحائط أمامه قائلًا: "هذا هو الشيخ، هذه صورته، إنه هو" . هنا بدا على محمد وأبيه الذهول والتعجُّب أكثر فأكثر، وقال والد محمد: " مستحيل يا زياد، ماذا تقول؟ " أقسم زياد أن هذه صورة الرجل الشيخ الكبير الذي قابله اليوم أمام المنزل، وهو من أخبره بأن الطفل الذي رآه ليلة أمس قد تُوفي منذ عشرين عامًا.

قال محمد: "هذا جدي يا زياد" , قال زياد متسائلًا: "جدك؟ , أنت لم تخبرني أن جدك على قيد الحياة من قبل؟".

 قال والد محمد: "فعلًا، لم يُخبرك أن جده على قيد الحياة، لأن جده الذي هو والدي مُتوفى أيضًا منذ عشرين عامًا، وبالتحديد في اليوم التالي لوفاة أخي وأسرته، فلم يستطع قلبه تحمل الصدمة ومات حُزنًا عليهم.

ازداد ذهول زياد، وظن أنه ربما لا يزال في كابوسه ولم يفِق من نومه بعد، وأخذ يتساءل ماذا يعني هذا وما تفسيره؟! أجابه والد صديقه قائلًا: "ـ ليس لدي تفسير يا بُني، لا عليك! فبعض الظواهر تحدث لنا أحيانًا لا نستطيع أن نجد لها تفسيرًا داخل القوانين المادية المعروفة , حاول أن تنسى ما حدث يا بُني وتابع حياتك، فلا يوجد تفسير لدينا لهذا".

غادر زياد ليس فقط من منزل صديقه، بل من هذا الحي بأكمله، فقد قرر العودة إلى والده بالمدينة والعمل معه، محاولًا أن يتناسى ما حدث، لعدم وجود تفسير منطقي لديه.

مساحة إعلانية