مساحة إعلانية
مر من أمامي بسيارته. لم تكن فارهة . حقيقة لا أدري ما الذي لفت انتباهي إليها؟ ربما صورة ذلك الطفل الباكي ،الملصقة على باب السيارة، والتي كانت مثل الصورة المعلقة على جدار غرفتي.
تمرُّ من أمامي وأنا جالسة في صيدليتي كعادتي كل صباح..
كانت مجرد سيارة عابرة ليس أكثر، وبتكرار مرورها في التوقيت نفسه أصبحت أضبط موعد قهوتي على صوت بوقها المميز.
أتابع مرورها كل يوم، حتى جاء اليوم الذي هبط فيه من سيارته ودخل متحدثا في هاتفه بعصبية وقدم لي الروشتة دون أن يوجه لي كلمة ، أخذت أجهزها له وأتابعه بينما يتحدث بانفعال ، ثم خرج كما دخل . كان ثلاثينيًا ، ذا لحية خفيفة تحمل في أطراف شعراتها هموم الأيام.
تبدو على ملامحه القسوة إلى حد ما ، أو ربما الحزن الذي تحوَّل إلى يأس، وربما لا شيء من كل هذا، بل مجرد تأويل مني لملامحه.. كانت تعلو عينيه نظارة طبية.
الغريب في الموضوع أن صورته تلك هي الملامح نفسها التي رسمتها في خيالي لبطل روايتي الجديدة.
جلست أفكر كيف وصلت تلك الملامح إلى عقلي، وأنا لم أكن أعلم بوجوده حتى؟! اعتدتُ على رؤيته كل يوم، كنت أنتظره كل صباح لأراه وهو يمر من أمامي، نسيت روايتي وما كنت أنوي أن أكتبه فيها، بل ألقيتُ بأوراقها داخل درج مكتبي.
لتظل حبيسة بداخله، فكيف أهرول خلف الخيال ما دمت رأيت الواقع؟
اكتفيتُ به وأنا لا أعلم إن كان في يدي حقًّا أم لا، بل هو كعصفور يقف على أطراف شجرة عالية، يداعب السحاب بنظراته ليصبح لمسه مستحيلًا.
أصبحتُ أطمئنُ بوجوده حتى وإن كان لا يعلم أني أنتظره، حتى اسمه ما زلت أجهله، فلم يكن يشغلني فيه سوى شخصيته التي تُعبِّر عنها ملامحه الناضجة ، وتلك الصورة التي رسمها خيالي دون أن يراها.
ولكنه فجأة لم يعد يأتي، انتظرته طويلًا، ظللتُ أحلم به كل يوم، أبحثُ عنه بين ملامح المارة، وأفحص بعيني كل سيارة تمر، أنتظر الواقع بعد أن ضاع الخيال مني، ولكن دون جدوى .
جلستُ أنظر طويلًا نحو مكتبي هل ما زال الطريق مفتوحًا كي يعود؟ هل ما زال لي مكان معه بداخل روايتي؟
فتحتُ الدرج، أمسكتُ بالرواية وبدأت أعيده إليها من جديد، حينها تهادى إلى سمعي صوت بوق سيارته.