مساحة إعلانية
في تلك اللحظة تذكرتْ ما حدث قديمًا، فما يحدث الآن أعاد لها شريط الذكريات ؛ ليبلغها أن الأمر يستحق القلق وليس مجرد خيال.
منذ طفولتها وكل ما يجول بخاطرها أو يمر أمام عينيها في عالم افتراضي اعتادت أن يتحوَّل إلى واقع ملموس.
في البداية لم يكن الأمر بالأهمية التي تستدعي التفكير، ولكن الآن أصبح الوضع مثيرًا للقلق، فلم يعد يقف عند حد الأمنيات، بل ما يحدث الآن شيء آخر، كانت البداية عندما كانت تجلس في محل عملها، وفجأة رأت أخاها كأنه يجري في السوق، ويتلفت حوله وعيناه في الأرض كأنه يبحث عن شيء ما، انتفض جسدها وانتفض جسدها، مستعيذة بالله.. ثم عادت إلى البيت وسألت أخاها:
- هل ذهبت إلى السوق اليوم؟
- نعم.
- هل ضاع منك شيء؟
فنظر إليها بتعجُّب قائلًا:
-نعم ضاعت محفظتي وبحثت عنها كثيرًا ولم أجدها.
ثم سألها بريبة:
-كيف عرفتِ؟
قالت بتوتر:
-رأيتك!
هي لم تكن تكذب حينها، فهي حقًّا رأته، ولكن في خيالها دون أن يكون لها دخل فيما رأته. بل هي صورة فرضت نفسها على صفحات العقل؛ لتخبرها أن شيئًا ما سيحدث. منذ ذلك الحين ومخاوفها أصبحت تتحقق، ولكن مع الوقت أصبح الخيال يتحقق بسرعة أكبر.
وقفت تتذكر كل هذا وهي تنظر إلى ذلك الجسد الملقى على الأرض والناس ملتفة حوله، بعد أن فارق الحياة إثر سقوطه من أعلى البيت الذي يعمل به..
فلقد مرت منذ يومين من نفس الشارع ورأت البيت تحت الإنشاء وبه أعمال خراسانية، وفجأة رأت أحدهم يسقط من أعلى.. انتفض جسدها كالعادة واستعاذت بالله، وها هي اليوم تقف شاهدة على موته لتعلم أن الأمر أصبح مرعبًا.
انتابها شعور قاتل بالذنب، أخذت تفكر ماذا لو لم تتخيل ما حدث؟
ماذا لو لم تمر من هنا؟ ربما كان الوضع مختلفًا.
دخلَتْ إلى بيتها تراجع كل ما حدث طوال اليوم، فلا يوجد أحد غيرها في البيت الآن، فالجميع خرجوا لأمر ما، وهي تخشى الظلام ولم تتعوَّد من قبل على الجلوس بمفردها. شعرت بخوف شديد لو انقطع التيار الكهربي وهي جالسة بمفردها ستحاوطها الأشباح، أو ربما تسيطر الفكرة على عقلها كما قال توفيق الحكيم "فالفكرة ليست في وجود الأشباح، ولكن الخوف يكمن في خيالنا الذي يخلقها".
كانت تفكر في كل هذا وهي جالسة، ثم فجأة انطفأ الضوء.. ها هي تعاود الكرّة.. أسرعت نحو الباب لتقف أمام البيت تستأنس بالناس في الشارع حتى يعود الضوء لتكتشف أن عقلها أصبح كتابًا أسود ينسج كل القصص الموجعة؛ لتكون هي البطل وربما هي الشرير أيضًا.
في تلك اللحظة قررت الدخول إلى البيت لتواجه مخاوفها، أغلقت عينيها؛ لتغلق هذا الكتاب عنوة ، وهنا عاد الضوء من جديد.