مساحة إعلانية
تقرير: صابر جمعة سكر
قضية أعادت الجدل حول تحولات العنف .. أعادت قضية سالي الجباس، المتهمة بقتل والدتها، فتح باب النقاش حول ما إذا كان المجتمع يشهد تحولًا في أنماط الجريمة، ليس فقط من حيث تزايد بعض الجرائم، وإنما من حيث ما تتسم به من قسوة وعنف غير مألوفين، سواء ارتكبها رجال أو نساء.
فلم تعد الصدمة نابعة من وقوع جريمة القتل في حد ذاتها، بل من الأساليب التي تُرتكب بها بعض الجرائم، وما يصاحبها أحيانًا من تمثيل بالجثث أو تقطيعها أو محاولة إخفاء معالمها، الأمر الذي يفرض قراءة علمية وقانونية واجتماعية لهذه الظاهرة، بعيدًا عن الانطباعات العامة أو التعميم.
رؤية علم الإجرام.. قراءة أكاديمية في تطور السلوك الإجرامي

ويؤكد الأستاذ الدكتور هشام البدري، أستاذ القانون العام والعميد الأسبق لكلية الحقوق بجامعة مدينة السادات، أن دراسات علم الإجرام وعلم الاجتماع استقرت لفترات طويلة على أن المرأة، بحكم طبيعتها النفسية والاجتماعية، أقل ميلًا إلى ارتكاب جرائم القتل المباشر، وأنها – إذا وقعت في دائرة الجريمة – غالبًا ما تلجأ إلى وسائل غير المواجهة.
إلا أن السنوات الأخيرة شهدت وقائع صادمة اتسمت بدرجات غير مسبوقة من العنف، شملت التمثيل بالجثث وتقطيعها وإخفاء أشلائها، وهو ما يستوجب دراسة علمية متعمقة لهذه التحولات، دون الانزلاق إلى إصدار أحكام مسبقة أو تعميمات لا تستند إلى أسس علمية.
ويضيف أن هذا التحول لا يعني بالضرورة تغير الفطرة الإنسانية أو طبيعة المرأة، وإنما قد يكشف عن خلل أعمق أصاب البناء النفسي والاجتماعي للمجتمع، الأمر الذي يستدعي البحث عن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذه الظاهرة.
دور الإعلام.. هل يطبع المجتمع مع مشاهد العنف؟

ويرى الأستاذ علاء إبراهيم النحاس، نقيب محامي جنوب البحيرة، أن وسائل الإعلام تتحمل جانبًا من المسؤولية، موضحًا أن التناول المكثف والمتكرر لجرائم القتل، والتركيز على مشاهد السكاكين والأشلاء والأكياس السوداء، قد يؤدي إلى تطبيع صور العنف داخل العقل الباطن، فيتحول الفعل الإجرامي مع كثرة تكراره إلى مشهد مألوف، بما يضعف الحساسية المجتمعية تجاه الجريمة، خاصة لدى أصحاب النفوس الهشة.
المخدرات والصحة النفسية.. عوامل خفية وراء تصاعد الجرائم
ويشير إلى أن انتشار المخدرات، ولا سيما الأنواع المستحدثة، يمثل أحد أخطر العوامل المؤثرة؛ إذ تؤثر هذه المواد في مراكز الإدراك والتعاطف والخوف داخل المخ، بما قد يدفع بعض المتعاطين إلى ارتكاب جرائم بالغة العنف دون الشعور الطبيعي بالخوف أو الندم.
كما أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية، وتزايد مشاعر الإحباط والاختراق المجتمعي، كلها عوامل أسهمت في تصاعد مستويات العنف بصورة ملحوظة، حتى أصبحت الصحة النفسية تمثل أحد أهم التحديات التي تتطلب اهتمامًا مؤسسيًا جادًا.
التأثير الثقافي والإعلامي.. العنف المرئي وتأثيره في السلوك
ويضيف أن التأثير المتزايد لأفلام الرعب والمشاهد الدموية والعنيفة قد يسهم لدى بعض الأشخاص في إضعاف الحساسية تجاه العنف، وتخزين صور وأساليب إجرامية داخل الذاكرة، بما يسهل استدعاءها في لحظات الغضب أو الاضطراب النفسي.
منظومة القيم.. تراجع الأدوار التربوية والوازع الأخلاقي

ومن جانبه، يرى الأستاذ أيمن صبري الشبشيري، عضو نقابة المحامين بالبحيرة، أن تراجع الوازع الديني، وضعف دور الأسرة، وغياب القدوة، وتراجع دور المؤسسات التعليمية، وضعف هيبة القانون، إلى جانب الرقابة غير الكافية على بعض الأعمال الإعلامية والفنية، كلها عوامل أسهمت في إضعاف منظومة القيم، وانعكست بصورة سلبية على سلوك بعض الأفراد.
الضغوط الاجتماعية.. أعباء الحياة وتأثيرها في السلوك الإنساني

أما الأستاذ محمد مصطفى الجرواني، المحامي بالنقض والمتخصص في القضايا الجنائية، فيؤكد أن تغير الأدوار الاجتماعية للمرأة، وتحملها أعباءً متزايدة، ودخولها في سباق يومي مع ضغوط الحياة، ألقى على كاهلها أعباءً نفسية غير مسبوقة، مع التشديد على أن هذه الظروف لا تبرر ارتكاب الجريمة، لكنها قد تمثل أحد العوامل التي تستحق الدراسة والتحليل.
البعد القانوني للمسؤولية الجنائية
ومن الناحية القانونية، فإن أي نقاش حول الدوافع الإجرامية يجب أن يسبقه سؤال جوهري: هل كان المتهم مسؤولًا جنائيًا وقت ارتكاب الفعل؟
فإذا أثبتت التقارير الطبية أن المتهم كان يعاني اضطرابًا نفسيًا أو عقليًا أفقده الإدراك أو الاختيار وقت ارتكاب الجريمة، فإن ذلك قد يؤثر في مدى قيام المسؤولية الجنائية، كليًا أو جزئيًا، وفقًا لأحكام القانون وما تنتهي إليه تقارير الخبراء المختصين.
رؤية ختامية
دعوة إلى دراسة علمية شاملة...
وفي تقديري، فإن قضية سالي الجباس، وغيرها من القضايا المشابهة، لا ينبغي أن تُختزل في واقعة فردية، ولا أن تُستغل لإصدار أحكام عامة على المرأة أو الرجل، وإنما يجب أن تكون جرس إنذار يدفع إلى إطلاق دراسات علمية جادة، تشارك فيها كليات القانون، والطب النفسي، وعلم الإجرام، وعلم الاجتماع، لفهم أسباب هذا التحول، ووضع حلول عملية للحد من تفاقمه. ... ... ونري أن الإصلاح المجتمعي هو خط الدفاع الأول
إن الخلل لا يكمن في فطرة المرأة وحدها، ولا في الرجل وحده، وإنما في تآكل منظومة الأمان النفسي والاجتماعي التي تحمي المجتمع بأسره.
ولن تكون مواجهة هذه الظاهرة بالعقاب وحده، وإنما تبدأ بإصلاح منظومة القيم، ودعم خدمات الصحة النفسية، ومكافحة المخدرات، وتعزيز دور الأسرة، وتطوير التعليم، وترسيخ إعلام مسؤول، وتفعيل سيادة القانون، باعتبارها جميعًا ركائز أساسية لبناء مجتمع أكثر أمنًا واستقرارًا.