مساحة إعلانية
تقرير / صابر سكر
طرح الدكتور طارق سرور، أستاذ ورئيس قسم القانون الجنائي بكلية الحقوق جامعة القاهرة، رؤية قانونية بشأن الحاجة إلى إعادة بناء قانون العقوبات المصري، والانتقال من سياسة «التشريع بالقطعة» والتعديلات المتلاحقة إلى تقنين جنائي حديث يقوم على فلسفة واضحة، ويحقق قدرًا أكبر من التناسق والأمن القانوني، مستعرضًا التجربة الفرنسية كنموذج في تحديث التقنين الجنائي.
التشريع بالقطعة.. مشكلة تراكمية
ويرى الدكتور طارق سرور أن مرور زمن طويل على صدور تشريع لا يمثل في ذاته مشكلة، طالما ظلت أحكامه صالحة لتحقيق غاياتها، وإنما تبدأ المشكلة عندما تتوالى عليه التعديلات الجزئية بصورة تؤثر في تناسق البناء التشريعي، سواء بين نصوصه ذاتها أو بينها وبين النصوص الجنائية الواردة في القوانين الخاصة.
ويعود قانون العقوبات المصري إلى عام 1937، ومنذ صدوره تطورت صور الجريمة ووسائل ارتكابها، وتغيرت احتياجات المجتمع ومفاهيم السياسة الجنائية، بينما ظل البناء الأساسي للقانون قائمًا، مع إدخال تعديلات متلاحقة عليه، إلى جانب إصدار العديد من التشريعات الجنائية الخاصة لمواجهة صور الإجرام المستحدثة.
وأدى ذلك إلى وجود عدد كبير من التشريعات الجنائية الخاصة إلى جانب قانون العقوبات، وتبعثر جرائم تنتمي إلى صلب التجريم العام بين تشريعات متعددة، فلم يعد قانون العقوبات وحده يعكس بصورة متكاملة السياسة الجنائية للدولة.
اضطراب الترقيم والتبويب التشريعي
وأوضح الدكتور طارق سرور أن استحداث جرائم وإصدار قوانين خاصة استجابة لمستجدات معينة أو وقائع محددة، دون مراجعة شاملة لعلاقتها بالنصوص القائمة، أدى إلى التكرار والتداخل، ووضع بعض الجرائم في غير مواضعها التشريعية الأنسب، فضلًا عن ظهور تفاوت غير مبرر أحيانًا في العقوبات.
كما أدى تراكم التعديلات إلى اضطراب الترقيم والتبويب التشريعي، فظهرت مواد تحمل وصف «مكرر»، ثم «مكرر أ» و«مكرر ب» إلى «مكرر و» و«هـ»، بينما أضيفت في مواضع أخرى حروف إلى أرقام المواد دون استخدام كلمة «مكرر»، كما في المادة 98 (أ).
وفي مواضع أخرى يسبق الحرف كلمة «مكرر»، كما في المادة 98 أ مكرر، وأحيانًا تسبق كلمة «مكرر» الحرف، مثل المادة 88 مكرر أ.
ويكشف هذا التفاوت، بحسب الرؤية المطروحة، عن الحاجة إلى نظام موحد ومرن للترقيم والتبويب، يستطيع استيعاب النصوص المستحدثة مع الحفاظ على وحدة التقنين وتناسقه.
التجربة الفرنسية في تحديث التقنين الجنائي
ويستعرض الدكتور طارق سرور التجربة الفرنسية في تحديث قانون العقوبات، حيث دخل قانون العقوبات الفرنسي الجديد حيز التنفيذ عام 1994، وأعيد بناء النصوص الجنائية وفق تقسيم وترقيم منهجي يجمع الجرائم المتجانسة في مجموعات تشريعية مترابطة.
فعلى سبيل المثال، تندرج جرائم الاعتداء العمدي على الحياة ضمن سلسلة المواد 221، فتبدأ جريمة القتل العمد بالمادة 221-1، ثم تتوالى صورها وظروفها المختلفة في المواد 221-2 و221-3 وما يليها.
كما تبدأ أحكام السرقة بالمادة 311-1، ثم تنتظم صورها المختلفة وظروفها المشددة ضمن السلسلة ذاتها.
وتبرز أهمية هذا النظام في مرونته، إذ يتيح للمشرع إضافة نصوص جديدة مستقبلًا في موضعها الموضوعي الطبيعي، مع الحفاظ على وحدة البناء التشريعي وتسلسله، بدلًا من اللجوء المتكرر إلى أسلوب «مكرر» و«مكرر أ» و«أ مكرر».
الأمن القانوني
ويسهم هذا البناء المنهجي، وفقًا للدكتور طارق سرور، في تعزيز الأمن القانوني من خلال تنظيم القواعد الجنائية في تقنين واضح ومتماسك، يسهل الوصول إلى أحكامه وتحديد نطاقها، ويتيح للمخاطبين بالقانون قدرًا أكبر من العلم بالأفعال المجرمة والعقوبات المقررة لها.
ولم يقتصر قانون العقوبات الفرنسي على الجرائم التقليدية، بل استوعب طوائف مهمة من الجرائم الحديثة، وأدرجها في مواضع تتفق مع طبيعة المصلحة المحمية، ومنها غسل الأموال، وجرائم العملة، والإرهاب، وجرائم تقنية المعلومات والاعتداء على نظم المعالجة الآلية للبيانات الشخصية، والاتجار بالبشر والمخدرات والأسلحة والذخائر، إلى جانب جرائم الاستغلال الجنسي والدعارة وبعض الجرائم المتعلقة بالطب الحيوي وحماية الجسم البشري والأعضاء والأنسجة والخلايا والأجنة.
ولا تقوم التجربة الفرنسية على وضع كل ما هو جنائي في قانون العقوبات، وإنما على إدخال الجرائم التي تنتمي إلى صلب التجريم العام فيه، مع الإبقاء على بعض الجرائم ذات الطبيعة الفنية أو التنظيمية في تقنينات متخصصة، مثل جرائم المرور والهجرة غير المشروعة والجرائم البيئية وجرائم الملكية الفكرية والتنظيم القانوني للاستثمار.
ومع ذلك، لم يحل استقلال هذه التشريعات دون جمعها مع قانون العقوبات في مدونة عملية واحدة، كما في طبعات Dalloz، بما يسهل على القاضي والمحامي والباحث والممارس الرجوع إلى مجمل النصوص الجنائية ذات الصلة.
الدعوة إلى قانون عقوبات جديد
ويؤكد الدكتور طارق سرور أن الدعوة إلى إصدار قانون عقوبات جديد لا تعني مجرد إعادة ترقيم النصوص القائمة أو جمع النصوص المتناثرة في تشريع واحد، وإنما تستهدف إعادة النظر في فلسفة التجريم والعقاب ذاتها، ومدى الحاجة إلى كل تجريم، وتناسب العقوبات وترابطها، وتحديد الحدود الفاصلة بين ما ينبغي أن يتضمنه قانون العقوبات وما تقتضي طبيعته الفنية أو التنظيمية إبقاءه في التشريعات الخاصة.
ويتطلب ذلك مراجعة شاملة لقانون العقوبات والنصوص العقابية المتناثرة في القوانين الخاصة، بهدف إزالة التكرار والتداخل، وإعادة صياغة النصوص التي كشف التطبيق عن قصورها، والتخلي عن عبارة «مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد يقضي بها قانون العقوبات أو أي قانون آخر».
كما يتطلب الأمر إعادة تقييم سلم العقوبات والغرامات والمخالفات،ه والتوسع المدروس في العقوبات البديلة والتدابير الحديثة، بدلًا من الاعتماد المفرط على العقوبات التقليدية والحبس قصير المدة، مع وضع نظام حديث ومرن لتبويب المواد وترقيمها.
متى نُجرّم؟ وأين نضع النص؟
ويرى الدكتور طارق سرور أن ظهور ظاهرة جديدة لا ينبغي أن يقود مباشرة إلى التساؤل: كيف نجرّمها؟، وإنما ينبغي أن يسبق ذلك عدد من الأسئلة، منها: هل هي مجرمة بالفعل، كليًا أو جزئيًا؟ وهل نحتاج إلى جريمة جديدة أم يكفي تعديل نص قائم؟ وأين يكون موضعها التشريعي الصحيح؟ وما العقوبة المتناسبة معها مقارنة بالجرائم الأخرى؟
.....
وتخلص الرؤية إلى أن الوقت قد حان للانتقال من سياسة «التشريع بالقطعة» و«الترقيع التشريعي» إلى إعداد قانون عقوبات جديد، يقوم على فلسفة جنائية واضحة، ويعيد جمع وتنظيم الأصول الأساسية للتجريم والعقاب في بناء تشريعي حديث ومتناسق ومتكامل.
مع الإبقاء على ما تقتضي طبيعته الفنية أو التنظيمية من جرائم فيح التشريعات الخاصة، بعد مراجعتها وضمان اتساقها مع أحكام قانون العقوبات.
وبذلك لا يستجيب التقنين الجديد لمتطلبات الحاضرح فحسب، وإنما يمتد بصلاحيته لاستيعاب تطورات المستقبل، ليكون تشريعًا قادرًا على مواكبة التحولات المتسارعة في الجريمة والسياسة الجنائية.