مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

م. سمر محمد عيد: الكتابة ليست سباقاً نحو الشهرة "حوار شامل"

2026-10-13 08:05 PM  - 
م. سمر محمد عيد: الكتابة ليست سباقاً نحو الشهرة "حوار شامل"
سمر محمد عيد

في حضرة الكلمة حين تضيق الأوطان.. م. سمر محمد عيد تكتب في ظروف الحرب؛ وذاكرة لا تنسى

م. سمر محمد عيد: أكتب لأن المشاعر الصادقة لا تحتاج جواز سفر


حوار: مصطفى علي عمار

حين تضيق الأوطان، تتسع الكلمة، وحين تعجز اللغة السياسية عن وصف ما حدث، ينهض الأدب ليقول ما لا يقال.
من قلب التجربة السورية، بكل ما حملته من وجع وفقد وصمود، تكتب المهندسة والأديبة سمر محمد عيد. لم تحمل القلم ترفاً، بل حملته ضرورة، لتكتب عن المرأة التي قاومت بصمت، وعن البيت الذي صار ذكرى، وعن الوطن الذي يسكننا حتى ونحن خارجه.
بين الهندسة التي علّمتها الدقة، والأدب الذي يمنحها الروح، نسجت سمر عالمها الخاص في القصة القصيرة جداً والومضة والهايكووالقصيدة. 
صدر لها مجموعتان قصصيتان "بتلات شرقية" و"صدى الروح" وكتب أخرى في الهايكو "ثلجٌ لايذوب"، "عيناك أمامي"،
 لكنها ما زالت ترى نفسها هاوية تبحث عن صوتها بين الكلمات.
التقيناها في هذا الحوار لنقترب أكثر من تجربتها في الكتابة زمن الحرب، و سؤال عن البيت والمنفى والذاكرة.

★ كيف أثّرت الأحداث السورية على لغتكِ وأسلوبكِ الكتابي؟
بصراحة، الأحداث السورية أثّرت في علاقتي باللغة كما أثّرت في موضوعاتي. جعلتني أميل إلى الاختصار والتكثيف، وأنتبه أكثر للتفاصيل الصغيرة، لأنها أحياناً تختصر وجعاً أو حكاية كاملة. وأعتقد أنها قرّبتني أكثر من القصة القصيرة جداً، لأنني أحب أن أقول الكثير بالقليل، وأن أترك للقارئ مساحة ليكمل الحكاية بطريقته. وفي النهاية، أكثر ما تركته سوريا في كتابتي هو حساسية أكبر تجاه الإنسان، خوفه وحنينه وفقده، معاناته ورفضه، قهره وظلمه وانتصاره في نهاية المطاف.

★ هل ترين الكتابة في زمن الحرب وسيلة للنجاة، أم للتوثيق، أم للصمود النفسي؟
أرى الكتابة في زمن الحرب مزيجاً من الصمود النفسي وتوثيق الحقائق، وترجمة الألم إلى معانٍ، ومن المهم ألا نخسر أنفسنا في خضم الأحداث.

★ لمن تكتبين اليوم: للداخل السوري، للمغتربين، أم للقارئ العالمي؟
أكتب للإنسان أينما كان... فالمشاعر الصادقة لا تحتاج إلى جواز سفر كي تصل.

★ ما الصورة المغيّبة عن المرأة السورية في الإعلام والأدب العربي من وجهة نظركِ؟
الصورة المغيّبة عن المرأة هي دورها الحقيقي والفعّال في المجتمع... فهي تعلّم وتقاوم وتحلم وتبني الأجيال. المرأة السورية لم تستسلم، صمدت وانتصرت رغم الألم.

★ هل تشعرين بمسؤولية مضاعفة بصفتكِ كاتبة وامرأة سورية؟
نعم، هي مسؤولية محبّبة تجاه الإنسان من خلال الكلمة الصادقة النابعة من القلب.

★ هل تغيّرت الموضوعات التي تطرحها الكاتبات السوريات بعد عام 2011؟
طبعاً، تغيّرت الموضوعات بعد الحرب، اتسعت مساحة الكتابة لتلامس الحرب والغربة والفقد والظلم... وبدأت المرأة تكتب وتعبّر أكثر.

★ كيف تتعاملين مع مفهومي "البيت" و"الوطن" في نصوصكِ في ظل المنفى واللجوء؟
البيت عندي هو رائحة الخبز ووجه الأحبة، أما الوطن فهو الأمان الذي نبحث عنه. لا بيت بدون ألفة ومحبة وأحبة، ولا وطن بلا أمان.

★ هل تكتبين لإنقاذ الذاكرة من النسيان، أم لفهمها؟
أكتب لأفهمها أولاً وربما أنقذها من النسيان، فالكتابة ليست صندوقاً وسجلاً نحفظ فيه الماضي، بل نافذة نطلّ منها عليه ونراه بعيون هادئة.

★ ما التفصيلة الصغيرة من سوريا التي لا تغيب عن نصوصكِ؟
صوت الأمهات؛ فصداه يختزل وطناً كاملاً في أروقة الذاكرة.

★ ما دور الأدب في الواقع الحالي: التغيير أم الشهادة؟
ربما يبدأ الأدب بالشهادة؛ لكنه لا يتوقف عندها، إنه يحفظ ما ينساه التاريخ، والأدب يغيّر الإنسان من الداخل، وهذا دور لا يستهان به.

★ هل تغيّرت نظرة القارئ العربي للأدب السوري بعد 2011؟
نعم، تغيرت نظرة القارئ العربي للأدب السوري بعد أحداث 2011؛ بات الأدب في عيون القارئ العربي أكثر جرأة في توثيق الواقع بكل شفافية، وتحرر الأدب من الرقابة والقيود لينطلق إلى حيث يريد.

★ لو رُشّحتِ لقارئ يتعرف عليكِ لأول مرة كتاباً واحداً من كتبكِ، هل تختارين "بتلات شرقية" أم "صدى الروح"؟ ولماذا؟
"بتلات شرقية" هو عتبة الدخول إلى فضاء القصة القصيرة جداً، فهو يشبهني في إيمانه بأن المعاني في عمقها وأن مشهداً صغيراً قادر أن يحكي حكايات... "بتلات شرقية" هو المدخل و"صدى الروح" هو إحدى الغرف الداخلية بعد أن يألف المكان... وكلاهما يشبه سمر محمد عيد.

★ كيف تقيّمين تجربة الجيل الجديد من الكتّاب السوريين الذين نشأوا وكتبوا في الشتات؟
الشتات على قسوته قد يمنح الكاتب زاوية لا يمنحها القرب... هم يكتبون عن وطن يسكن في الذاكرة، وطن من الصور والأصوات والروائح والحنين... يترجمونه إلى أدب، أتمنى أن يحافظوا عليه، وأن ينفتحوا على العالم من دون أن يفقدوا هويتهم وصوتهم.

★ كيف استطعتِ الجمع بين دقة المهندسة وروح الأديبة، وهل ساعدتكِ الهندسة في بناء القصة القصيرة جداً والومضة المكثفة؟
لم أشعر يوماً أن هناك تعارضاً بين الهندسة والأدب؛ فالهندسة تعلمني كيف أضبط التفاصيل، والكتابة تعلمني كيف أمنحها روحاً. وربما انعكست طبيعة عملي على كتاباتي المكثفة، فأنا أميل إلى اختصار الفكرة دون أن تفقد معناها، لأنني أؤمن بأن جمال النص ليس في طوله، بل في قدرته للوصول إلى القارئ بأقل الكلمات وأعمق الأثر.

★ تكتبين الهايكو والهايبون، وهو فن ياباني يقوم على التقاط اللحظة العابرة، كيف وجدتِ نفسكِ في هذا الجنس الأدبي المختلف، وماذا أضاف لتجربتكِ في "بتلات شرقية" و"صدى الروح"؟
أحب الهايكو لأنه يشبهني في ميله إلى البساطة والتقاط التفاصيل الصغيرة التي قد تمر بنا دون أن ننتبه إليها، وأحببت فيه قدرته على قول الكثير بالقليل. أما الهايبون، ورغم أنني مقلة فيه، فهو يمنح مساحة أوسع للمزج بين السرد والشعر، وبين المشهد الخارجي وما يتركه في داخلنا من أثر.
وفي تجربتي في "بتلات شرقية" و"صدى الروح"، تعلمت أن اللحظة العابرة قد تحمل معنى كبيراً، وأن بعض المشاعر لا تحتاج إلى شرح طويل، بل إلى كلمات قليلة وصادقة تترك للقارئ مساحة ليكملها من روحه وتجربته. "بتلات شرقية" و"صدى الروح" هما خلاصة تجارب من واقع معاش، وانطلاقتي الأولى هي ما أضاف للهايكو وليس العكس.

★ ممّن من الكُتّاب العرب القدامى تتخذينه قدوة ويؤثر فيكِ قلمه، وممّن من المعاصرين تتابعين تجربته عن قرب؟
نشأتُ أدبياً على أقلام تركت أثراً عميقاً في الوجدان، مثل المنفلوطي في لغته العذبة، ونجيب محفوظ في قدرته على قراءة الإنسان والمجتمع، ونزار قباني في بساطته وجرأته وصدقه الشعري. لا تغيب عن ذاكرتي كتب طه حسين، غسان كنفاني وجبران خليل جبران.
للشعر العربي القديم والحديث عميق الأثر في ذاكرتي وذائقتي... وأميل دائماً إلى الكُتّاب والشعراء الذين كتبوا بصدق، وعبّروا عن مشاعرهم وتجاربهم الإنسانية دون تكلف أو تصنع، فلامست كلماتهم قلوب القراء لأنها خرجت من القلب. أما المعاصرون، فأتابع تجارب مختلفة، وأؤمن بأن لكل كاتب بصمته الخاصة، وأفضل أن أقرأ النص الجيد بعيداً عن اسم صاحبه أو شهرته؛ فما يعنيني في النهاية هو صدق التجربة، وعمق الفكرة، وقدرة الكلمات على أن تترك أثراً في النفس.

★ هل هناك كلمة أخيرة تودين التنويه عنها؟
أود أن أقول إن الكتابة بالنسبة إليّ ليست سباقاً نحو الشهرة، بل محاولة صادقة لالتقاط ما يستحق أن يُقال من تفاصيل الحياة. أتمنى أن تصل كلماتي إلى القلوب، فليس المهم أن نكتب كثيراً، بل أن نترك في أرواح الآخرين شيئاً جميلاً يستحق البقاء.

مساحة إعلانية