مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

نغمات الكتابة وتعدّد الذائقة .. بقلم زينب طارق - العراق

2026-09-07 06:37 PM  - 
نغمات الكتابة وتعدّد الذائقة .. بقلم زينب طارق - العراق
صورة ارشيفية
إعلان بنك saib

إنّ الأدب لا يخلد لأنّه يملك النغمة الوحيدة الصحيحة، بل لأنّه يمنح كلّ إنسان فرصةً للعثور على نغمته الخاصّة وسط ضجيج العالم. ولعلّ هذه العبارة تختصر جوهر الكتابة؛ فهي ليست قالبًا جاهزًا، ولا قانونًا جماليًا مغلقًا، بل فضاءٌ تتعدّد فيه الأصوات بقدر ما تتعدّد التجارب والرؤى والقلوب.

ليست الكتابة كلماتٍ مصطفّة على صفحة، ولا جملًا تنتظم وفق قواعد اللغة فحسب؛ إنّها، قبل ذلك وبعده، نغمٌ داخلي يتكوّن في أعماق الكاتب، ثم يبحث عن صورته في اللغة. وكما أنّ الموسيقى لا تُختزل في لحنٍ واحد أو مقامٍ واحد، لا يمكن للأدب أن يُحاصر في أسلوبٍ بعينه، أو أن يُطلب من جميع الكتّاب أن يعزفوا النغمة ذاتها. فالنصّ الذي لا يحمل صوته الخاص يظلّ شبيهًا بصدى بعيد، مهما أتقن صاحبه ترتيب عباراته.

لكلّ كاتب إيقاعه الذي تشكّل عبر الزمن، ولكلّ تجربة نبرتها التي لا تستنسخ. قد يكتب اثنان عن الحب أو الموت أو الوطن، لكنّ النصّين لا يخرجان متطابقين؛ لأنّ خلف كلّ كتابة ذاكرةً مختلفة، وتاريخًا شخصيًا مختلفًا، وموقفًا خاصًا من العالم. فالكاتب لا يكتب من اللغة وحدها، بل يكتب من طفولته، وخساراته، وأحلامه، ومن الأسئلة التي ظلّت تلاحقه كلّما ظنّ أنّه اقترب من جواب.
لهذا تتعدّد نغمات الكتابة بتعدّد التجارب الإنسانية. هناك من يجد صوته في الفلسفة، فيجعل من النصّ مجالًا للتفكير في الحرية والعدم والزمن والهوية. وهناك من ينطلق من الطبيعة، فيرى في المطر والضوء والشجرة إشاراتٍ إلى أعماق الإنسان. وثمّة من يكتب من الذاكرة، أو من العزلة، أو من الحب، أو من احتكاكه اليومي بالواقع. وقد تتداخل هذه النغمات في نصّ واحد، فيصبح الفكر صورةً، وتصير الصورة سؤالًا، ويتحوّل الإحساس إلى معرفة لا تُنال بالبرهان وحده.
 إنّ اختلاف الكتابة ليس ترفًا جماليًا، بل هو تعبير عن اختلاف طرائق البشر في فهم وجودهم. فالرؤية الوجودية قد تنظر إلى الكتابة بوصفها مقاومةً للعبث ومحاولةً لصنع معنى في عالمٍ مهدّد بالصمت. والرؤية الأخلاقية قد تجعلها شهادةً على الألم ومسؤوليةً تجاه الآخر. أمّا الرؤية الجمالية فتبحث في طاقة اللغة، وفي موسيقاها الخفية، وفي قدرتها على تحويل المألوف إلى دهشة. وهذه الرؤى لا تتناقض بالضرورة؛ فالإنسان نفسه كائنٌ مركّب، يحتاج إلى الحقيقة كما يحتاج إلى الجمال، ويطلب الخلاص في الفكرة أحيانًا، وفي الصورة أحيانًا أخرى.

ومن الطبيعي أن تتعدّد أذواق القرّاء. فما يراه قارئٌ غامضًا قد يجده آخر عميقًا، وما يصفه أحدهم بالبطء قد يراه سواه تأملًا ضروريًا. فالذائقة ليست حكمًا مطلقًا منزّهًا عن التجربة؛ إنّها تتشكّل مع الإنسان، وتتبدّل بتبدّل وعيه. وقد نعود إلى كتابٍ بعد أعوام فنجد فيه ما لم نكن قادرين على رؤيته من قبل، لا لأنّ الكتاب تغيّر، بل لأنّنا نحن الذين تغيّرنا، وأصبحنا نملك مفاتيح جديدة للدخول إليه.

ومن الخطأ أن يتحوّل اختلاف الذوق إلى رغبة في إلغاء الآخر. فالأدب لا يزدهر حين تُفرض عليه سلطةٌ واحدة، ولا يتقدّم حين يُطلب من الجميع أن يكتبوا بالطريقة نفسها. إنّ حيويته تنبع من قدرته على احتضان الأصوات المتباينة: صوت المتأمل، والثائر، والعاشق، والساخر، والمنكسر، ومن يبحث عن معنى في عالمٍ لا يمنح المعاني بسهولة. فالمشهد الأدبي لا يغتني بتشابه نصوصه، بل بتجاورها واختلافها وتوترها الخلّاق.

ولا يكتمل النصّ عند لحظة كتابته؛ إذ تبدأ حياته الحقيقية حين يصل إلى القارئ. فالقارئ لا يتلقى المعنى مغلقًا، بل يشارك في إعادة تشكيله، ويضيف إليه من ذاكرته وحساسيته وأسئلته. لذلك قد يحمل النصّ الواحد وجوهًا متعدّدة من دون أن يفقد وحدته. إنّ الكتابة العظيمة لا تمنحنا إجابةً جاهزة بقدر ما تفتح في داخلنا نافذةً على سؤال جديد.

إنّ مهمة الكاتب، في نهاية الأمر، ليست أن يرضي الجميع، ولا أن يبحث عن نغمةٍ تضمن له القبول العام؛ فذلك يقوده غالبًا إلى كتابةٍ ملساء، متشابهة، خالية من المغامرة. مهمته أن يصغي بصدق إلى موسيقاه الداخلية، وأن يصقلها بالوعي والمعرفة، ثم يطلقها في العالم دون زيف. فإذا بلغت تلك النغمة قارئًا واحدًا، وأضاءت في داخله معنىً، أو أيقظت ذكرى، أو دفعت سؤالًا إلى الظهور، فقد أدّت الكتابة وظيفتها الأعمق: أن تجعل الإنسان أقلّ وحدةً في هذا العالم، وأكثر قدرةً على الإصغاء إلى نفسه وإلى الآخرين.

مساحة إعلانية