مساحة إعلانية
كتب: مرتضي العمدة
بسم الله الرحمن الرحيم
فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، السادة الحضور الكرام، السيد مدير الجلسة، الصديق العزيز الدكتور أسامة كمال، الإعلامي القدير، صاحب المقام الرفيع، صاحب النيافة، صاحب المقام الرفيع، صاحب الفضل والفضيلة. اسمح لي يا فندم أن أبدأ كلامي بأن أحوِّل الأطروحة التي أريد أن أطرحها إلى حكاية. طبعًا، كان لي شرف الحديث في المنتدى في اليوم الأول، ضمن الجلسة المخصصة للثقافة وبناء الإنسان، ويبدو أن بعض الأفاضل لعلهم قد استحسنوا شيئًا مما قيل، فكأنه طلب إعادة الجلسة مرة أخرى بصورة أوسع، لتكون فرصة لعرض أمور نرجو أن تكون جميلة، وتنزل على قلوب المصريين جميعًا بالرحمة والسكينة. قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. سأحكي بعض النقاط، وطبعًا السؤال الذي وُجِّه إليَّ ابتداءً كان عن منظومة القيم والأخلاق، وسأنطلق منه لأتنقل ما بين ملفات أخرى وجهود عملنا عليها في وزارة الأوقاف. لقد أعلنا عن كل ما سوف أذكره، ولكن يمكن إعادة الإشارة إليها على وجه السرعة في هذا المنتدى المهم، ليكون فرصة للشعب المصري العظيم بأكمله أن يعيد الاطلاع على جانب من الجهود التي نرجو ونطمع أن تكون صادقة، وموفقة، ومتجردة في خدمة أهلنا الكرام، وفي خدمة مصر العظيمة، وفي خدمة الإنسانية جمعاء. بدأنا في وزارة الأوقاف نفكر: ما الطموح الذي يحلم المصريون بأن يروه في الخطاب الديني؟ يعني، المائة مليون إنسان مصري، ما الذي يودون رؤيته في الخطاب الديني الذي يطرق سمعهم الكريم؟ فوجدنا أن الإنسان المصري قد يكون متوقفًا قليلًا عند شيء من الإشكاليات في منظومة القيم والسلوكيات، وهو محل السؤال الذي وُجِّه إليَّ. بدأنا في وزارة الأوقاف نفكر في إيجاد مسار عمل وإجراء عملي، فصرنا نكاتب ونراسل عددًا من وزارات الدولة، وهي: وزارة الشباب والرياضة، ووزارة النقل، ووزارة الثقافة، ووزارة التربية والتعليم، ووزارة السياحة والآثار، ووزارة التعليم العالي، ووزارة البيئة (في ذلك الوقت)، ووزارة التضامن الاجتماعي، ووزارة الداخلية، ووزارة الموارد المائية والري، والمجلس القومي للطفولة والأمومة، والمجلس القومي للأشخاص ذوي الهمم، وهيئة الرقابة النووية والإشعاعية، والمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية؛ بإجمالي ١٤ جهة من جهات الدولة. ما الذي طلبته منها وزارة الأوقاف؟ قلت لهم: «لو تفضلتم، كل ما هو مرصود لديكم من تراجع أو إشكال في بعض القيم السلوكية، ابعثوه لي لتكوين نواة مرصد يجمع كل مظاهر التراجع القيمي والسلوكي في سلوكيات بعض الناس». على سبيل المثال، بدأت وزارة النقل تقول: «عندي عدد من الإشكاليات المرصودة؛ مثل السير عكس اتجاه الطريق، وتجاوز السرعة المقررة في الشوارع والطرقات، واستعمال الهاتف أثناء القيادة، ورشق القطارات... وما شابه». وهذه مجموعة رُصِدت، وبقية الوزارات أرسلت مرصوداتها كذلك. فبدأنا نجمع وندرس كل الإشكاليات التي نحتاج إلى الاشتباك معها بصورة مباشرة وواضحة، تستهدف إعادة بناء وتشييد منظومة القيم الأخلاقية. وكانت البداية بترميم بعض المظاهر التي اعتراها شيء من الضعف، إلى أن تبدأ في التماسك، ثم نبذل المجهود في ذلك، لننطلق بعده إلى التأسيس والتوثيق والبناء والتشييد لكل منظومة القيم. رصدت الوزارات والجهات المسئولة لنا ٤١ إشكالية، منها: الغش في الامتحانات، ومخالفة إشارات المرور، واستخدام الهاتف أثناء القيادة، والتدخين والسجائر الإلكترونية، والعنف ضد الأطفال، والألعاب غير المفيدة للأطفال، وإدمان الأطفال على وسائل التواصل الاجتماعي، والتعامل غير اللائق مع السياح في بعض الأحيان، والتنمر، وإيذاء بعض ذوي الهمم، والتعدي على الجار، والرشوة، وما شابه. وبناءً على ذلك، صممنا مبادرة أسميناها «صحح مفاهيمك»، تعتمد على الشراكة مع «الشركة المتحدة»، وتفعيل خطة الدروس والندوات والمحاضرات وأنشطة جميع أئمة وخطباء وزارة الأوقاف والواعظات؛ بحيث تكون هذه هي المادة التي نعتمد عليها في معالجة هذه القضايا أثناء الخطب والدروس، وفي الأداء الإعلامي مع «المتحدة»، وعبر الفيديوهات والتعليقات والصفحات والدراسات الخاصة بنا. تشرفنا بإطلاق المبادرة بحضور دولة رئيس مجلس الوزراء في مقر المجلس، وأطلقنا فعالية كبرى حضرها تسعة من السادة الوزراء وعشرة آلاف شاب في «نادي النادي» بالعاصمة الإدارية. عملنا في المبادرة فترة، وهذا يُعد الموسم الأول منها. واليوم، هل نحن بحاجة إلى أن نستنسخ منها موسمًا ثانيًا؟ طبعًا. وفي اقتراحي -وأنتظر التصويت من حضراتكم ومن الجمهور ومن الشعب الكريم على صفحات منتدى مصر- شاركوني مرة ثانية في اختيار أليق عنوان؛ أود أن أختار للموسم الثاني اسم «مكارم» أو «نقطة نور»، لنطلق دورة ثانية من هذه المبادرة التي تستهدف بناء وتشييد القيم الأخلاقية، بالتنسيق مع أخي وزير التعليم العالي، وأخي وزير التربية والتعليم، ووزير الشباب والرياضة، لكي نتحرك جميعًا في السعي إلى ترسيخ القيم الأخلاقية. بدأنا نفكر في محور واتجاه آخر؛ أنا أريد أن أتحدث مع بعض شرائح الشباب ممن لديهم شيء من الحيرة، أو التردد، أو التشكك أحيانًا في وجود الله. ومن حقهم المشروع أن يسألوا، وإذا لم أنجح أنا كمؤسسة دينية في تقديم الإجابة، فأنا المقصر. وحقهم مكفول في السؤال والتفكير، بل إن السؤال وما يصاحبه من قلق وشك قد يكون أحيانًا قوة دافعة جدًّا لليقين. ولذلك، أريد أن أعرض على حضراتكم فيلمًا، وسأقول لحضراتكم الفكرة: الفيلم عبارة عن مظهر من مظاهر قدرة الحق جل جلاله في الوجود؛ طائر السَّمامة (العوهق في المراجع اللغوية القديمة). أسمع منه مقطعًا مع السادة الكرام، وبعد ذلك أنتقل لأقول لحضراتكم أين المفارقة التي أود إثارتها؟ مَن الذي قام بهذا؟ وزارة الأوقاف المصرية أنتجته وقدّمته بخمس صور؛ لكي أقدر على الوصول إلى كل شرائح الشعب المصري العظيم. وهذه الأفلام، مَن الذي صنعها؟ مركز الذكاء الاصطناعي لوزارة الأوقاف المصرية. كم فيلمًا أنتجنا بهذه الطريقة؟ كل فيلم بخمس صور من الإنتاج، فأنتجنا مائة فيلم في عجائب صنع الله في الوجود. هل أستطيع أن أعمل بهذه الطريقة على مواجهة الإرهاب؟ نعم. أستطيع أن أعمل بنفس هذه الآلية وأنتج أفلامًا بالطريقة نفسها في تشييد القيم والأخلاق؟ نعم. أستطيع أن أعمل بهذه الطريقة على مواجهة الإلحاد؟ نعم. أستطيع أن أعمل بهذه الطريقة على تشييد معنى الانتماء والمواطنة؟ نعم. الفريق الذي تكوّن في مركز الذكاء الاصطناعي بوزارة الأوقاف مكوَّن من أربعين شابًّا من العباقرة حديثي التخرج في جامعة النيل والجامعات المصرية. عمر المركز كم؟ خمسة أشهر. كم قدرتنا على الإنتاج في كل شهر؟ ننتج في الشهر ألف فيلم. والمستهدف أن أصل في وقت وجيز قادم إلى إنتاج ثلاثة آلاف فيلم شهريًّا، بفضل الله. نحن نعمل منذ خمسة أشهر ولم أُعلن بعد! أولادي الذين يعملون معي في المركز الشبابي العبقري صاروا يقولون: «لنا خمسة أشهر نعمل، ولم يخرج أي شيء بعد؟!» فأقول لهم: «انتظروا، سيأتي الوقت الذي نعلن فيه، ولكن بعد أن نقدم للمصريين فكرة ناجحة». فخامة الرئيس تسمح لي أن أتقدم باسمنا جميعًا بكل الإكبار والتحية للشباب الأربعين الموجودين معي في مركز الذكاء الاصطناعي لوزارة الأوقاف؟». أستاذنكم أن أقدم التحية لهم. وما زلت أسعى لاستقطاب كل شاب عبقري في مجال الذكاء الاصطناعي؛ أريد أن أصل من ٤٠ إلى ١٥٠ شابًّا في المركز، وأن أصل إلى ٣٠٠٠ فيلم شهريًّا، لكي نصنع حالة من الإغراق لوسائل التواصل الاجتماعي بمثل هذا المحتوى النبيل، النقي، الصافي، المنير، القيمي، الأخلاقي، الوطني، الإنساني، في مواجهة كل ما يعترض أبناءنا من أزمات وإشكاليات. أيها السادة الكرام، مرحبًا بكم في رحاب وزارة الأوقاف المصرية في عهد الذكاء الاصطناعي، التي نثبت من خلالها للعالم أننا، بفضل الله، أقوياء ومبدعون، وقادرون على أن نحول أنوار ومكارم الشرع الشريف إلى خطاب لافت للنظر وجاذب. وأستأذن مرة ثانية أن أدعو قيادات المؤسسة الدينية؛ الأزهر الشريف، والكنيسة، ودار الإفتاء، والإعلاميين، والسادة الوزراء، لحضور افتتاح المركز رسميًّا في غضون الأسبوع القادم، بإذن الله. هل اقتصرنا على مركز الذكاء الاصطناعي هذا فقط؟ لا. مركز مكافحة الفكر المتطرف يعمل بنفس الآلية والقدرة؛ ليقف في وجه الفكر المتطرف مفاهيميًّا، وفلسفيًّا، وفكريًّا، وفقهيًّا، وعقائديًّا، وينتج محتوى يجوب وسائل التواصل الاجتماعي. ومركز مواجهة الإلحاد يعمل منذ عدة أشهر بالطريقة نفسها. أما مركز الدراسات والبحوث الوقفية، فقد تلقيت -باسم وزارة الأوقاف المصرية- أسئلة فقهية مركبة من أهلنا وأشقائنا في إفريقيا، وفي وزارة الشئون الدينية بماليزيا، وفي أوزبكستان. والكل يقول: «أنتم في مصر الأعرق في النظام الوقفي، ولكن لدينا إشكاليات فقهية تحتاج إلى اجتهاد؛ فالواقف قبل مائتي سنة وقف المادة، ولكن الهدف الذي وقف عليه زاد أو تغير، وهناك حاجة إلى بحوث استثمار الوقف في صور استثمار حديثة». من أجل ذلك أنشأنا مركز البحوث والدراسات الوقفية منذ حوالي ستة أشهر، وجمعنا كل ما استطعنا الوصول إليه من مؤلفات حول الوقف وبحوثه وفقهه ودوره العمراني والتعليمي والصحي والاجتماعي، فكوَّنا حوالي ٧٠٠ كتاب بصيغة PDF لتشكل مكتبة وقفية متاحة على موقع وزارة الأوقاف المصرية، إلى جانب إنتاج الأبحاث الجديدة؛ لكي تظل مصر قادرة على تقديم حلول للعالم لما يحيره. كما نسعى إلى تكوين مركز للأسرة ومركز للطفل. الوجدان المصري يشتاق ويحن ويتطلع إلى أن يرى المؤسسة الدينية على قلب رجل واحد، متآلفة، تتبادل التقدير والمحبة والمودة والعمل المشترك. فبدأنا السعي مع أشقائنا الكرام في الأزهر الشريف، ودار الإفتاء المصرية، ونقابة الأشراف، ومشيخة الطرق الصوفية، إلى جانب الكنيسة الوطنية الموقرة. أيها السادة الكرام، إن الجهد الصادق مني ومن كل زملائي في كافة المؤسسات الدينية يؤكد لكم أن الأوقاف، والإفتاء، ومشيخة الطرق الصوفية، ونقابة الأشراف جميعًا مصطفون، بفضل الله، صفًّا واحدًا خلف الأزهر الشريف وفضيلة الإمام الأكبر؛ لأن الأزهر هو المظلة الأم التي نستظل جميعًا تحتها، وأنا ابن الأزهر الشريف، وكل أبناء الأوقاف أبناء الأزهر الشريف. والأزهر الشريف يقف مع القوات المسلحة، ووزارة التربية والتعليم، والتعليم العالي، والصحة، والجميع يقفون خلف قائد الوطن، فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي. إن الشعب المصري العظيم يشعر بارتياح عميق إذا رأى الأوقاف، والأزهر، والإفتاء، ومشيخة الطرق الصوفية، ونقابة الأشراف، يقدّر بعضهم بعضًا، ويحب بعضهم بعضًا، ويدعم بعضهم بعضًا. هذا ما بذلنا فيه جميعًا جهودًا صادقة لنقدمه بوضوح للشعب المصري. أما عن دوري مع الكنيسة، ومع قداسة البابا تواضروس، والدكتور أندريه زكي، والأب إبراهيم إسحاق، وأهلي وأشقائي الكرام من المسيحيين، فلن أتحدث عن مجهودي، لكني أشير إلى نقطة رمزية لنفرح بما صنعناه وبما نستطيع أن نصنعه: في يناير سنة ٢٠١٩، افتتح فخامة الرئيس مسجد «الفتاح العليم» والكاتدرائية في العاصمة الجديدة. يا سادة يا كرام، حتى لا ننسى، وحتى لا تتراكم الأحداث بسرعة على الذاكرة، هل تنسون في ذلك اليوم شديد البرد أنه كان من إنجازات الدولة المصرية أن الذي ألقى كلمة افتتاح الكاتدرائية هو فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، والذي ألقى كلمة افتتاح مسجد الفتاح العليم هو قداسة البابا تواضروس؟! أنا أظن وأجزم أن هذا الشيء لا يوجد له نظير في العالم، ونحن نستطيع أن نفتخر به، ونسعد به، ونعتز به، ونحافظ عليه، وأن ننتج منه عشرات ومئات النماذج المشابهة التي تنزل على قلوب الجميع بالسكينة، والأمان، والثقة، والقوة، والقدرة على النجاح. الوجدان المصري يطمح إلى أن يرى خطابه الديني النابع من مؤسساته صاحب الريادة والمكانة التي تليق بمصر، كما اعتاد عبر التاريخ. لذلك أطلقنا في وزارة الأوقاف منذ رمضان الماضي ما سميناه «ملتقى الفكر الإسلامي الدولي»، مع تعظيم الاستفادة من تقنيات العصر. تساءلنا: لماذا نقتصر على ملتقى الفكر الإسلامي المحدود بعلماء مصر؟ ولنا أمانة ودور وشراكة مع كل المؤسسات الدينية الإسلامية في العالم. الفكرة هي أن نجتمع شهريًّا، في غرة كل شهر هجري، في رحاب مسجد سيدنا الإمام أبي عبد الله الحسين رضي الله عنه، مع فتح نافذة بث مباشر عبر تطبيق «زووم»، ودعوة من تربطنا بهم صلة مودة من وزراء الشئون الدينية، والمسلمين، والعلماء، ورؤساء المراكز الإسلامية. وقد عقدنا أربعة ملتقيات أسبوعية في رمضان، ثم تحول إلى ملتقى شهري. نحرص على حضور الرموز الدينية المصرية فعليًّا في المسجد، مثل الدكتور عمرو الورداني، رئيس اللجنة الدينية في مجلس النواب، والدكتور شوقي علام، رئيس اللجنة الدينية في مجلس الشيوخ، والدكتور يوسف عامر، وعدد من كبار العلماء. وعبر البث المباشر، حضر معنا في الملتقى الأول ١٧ دولة، وفي أول الشهر الهجري الذي نحن فيه وصل العدد إلى ٥٧ دولة، بفضل الله! ونظرًا لفروق التوقيت، نبدأ الملتقى الساعة السابعة صباحًا من مسجد الحسين؛ لكي يشاركنا الصديق في أستراليا في توقيت مناسب لديه، ثم نفتح الحوار والمداخلات ليتحدث عالم من أستراليا وآخر من كندا، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب في اللحظة نفسها! ونقوم بتفريغ كلمات العلماء ومداخلاتهم وترجمتها إلى الإنجليزية، لتُطبع في كتاب يُوزع بصيغة PDF على جميع الضيوف قبل الملتقى التالي، وقد أصدرنا عشرة إصدارات حتى الآن باللغتين العربية والإنجليزية. ونطلب في أول كل شهر من علماء الدول الـ٥٧ عملًا مشتركًا، مثل بحوث حول مواجهة الإلحاد أو تعزيز القيم الأخلاقية في شهر المولد النبوي، وقد جُمعت هذه البحوث ودخلت المطبعة. وقبل شهرين وزعنا كتابًا في الشمائل المحمدية مترجمًا إلى ٢٠ لغة، وقبله كتابًا في مواجهة الإرهاب، ويُجهز كتاب آخر ليصدر في أول الشهر القادم باللغات العشرين. وهذا يعكس قدرة مصر على تقديم خطاب ديني يملأ الدنيا سكينة، وعلمًا، وأمانًا، وحضارة، وبناء، وإنسانية. في الفلبين، زرت وزير الشئون الدينية وكبير الأساقفة، وطلب كلاهما إرسال وفد لتلقي برنامج تدريبي في مصر. واستقبلنا في يناير الماضي وفدًا من الأئمة والمحامين والقضاة في برنامج تدريبي، ثم سافروا وتركوا صدىً متميزًا للشراكة المصرية الفلبينية. ثم استقبلنا وفدًا من القساوسة، وأتموا دورتهم قبل شهر، وتشرفت بصحبتهم في زيارة الأب إبراهيم إسحاق، وفضيلة الإمام الأكبر، ومسجد مصر، والكنائس العريقة. نحن نبني، ونحن قادرون على بناء شيء مبهر للعالم. جامعة نور مبارك، الجامعة المصرية الكازاخستانية للدراسات والثقافة الإسلامية، التي أسهمت مصر في تأسيسها بالشراكة مع كازاخستان، احتفلت يوم الاثنين 19 من أكتوبر باليوبيل الفضي، ونبذل جهدًا في تطوير مناهجها، وتدريس مادة عن الشخصية الكازاخستانية والأعراف والآداب التاريخية، ومواجهة الفكر المتطرف، واستلهام معايير الأداء في أرقى الجامعات. مصر تتحرك وتعمل، وقد لا يتاح ذكر هذا كله من قبل، لكن لابد من إبرازه والفرح به. وهذه نقطة في بحر، ونستطيع أن نعمل أكثر من ذلك بكثير، بفضل الله. يتطلع المصريون إلى خطاب ديني قائم على الكفاءة والجدارة، كما يشير السيد الرئيس دائمًا. وانطلقنا لتحقيق ذلك عبرعدة فعاليات، منها التدريب في الأكاديمية العسكرية، حيث تخرجت الدفعة الأولى من الأئمة بتشريف فخامة الرئيس، تلتها الدفعة الثانية، وصولًا إلى دفعة «ما بعد الدكتوراة»، وهو تدريب رفيع المستوى مدته سنتان. حين تحدثت هنا يوم الاثنين الفائت، ظهرت تعليقات تقول: «شوف وزير الأوقاف المصري يعسكر وزارة الأوقاف، ويودي الأولاد يتدربون في الأكاديمية العسكرية.. مرحبًا بكم في عسكرة الأئمة والأوقاف!». لا والله، ليس الأمر كذلك. لماذا؟ لأن المستهدف بالتدريب في الأكاديمية العسكرية هو الشق الفني والعلمي والمعرفي الذي تضعه وتصوغه وزارة الأوقاف؛ فالأكاديمية العسكرية ليست سوى وعاء متقن في نظم الامتحانات، ونظم المعيشة، وبناء الشخصية. أما المحتوى العلمي الديني فتضعه وزارة الأوقاف، كما تفعل وزارة الثقافة والتربية والتعليم والشباب والرياضة لمتدربيها. الرؤية التي يريدها السيد الرئيس هي أن الأكاديمية العسكرية مؤسستكم، ومؤسسة الوطن التي يهيئ الوطن من خلالها نظم التدريب والمعيشة والاختبار واكتشاف المواهب؛ وهي وعاء عالي الجودة، فلتتفضل كل مؤسسات الوطن بإرسال أبنائها بالمحتوى الذي تريد أن يتدربوا عليه. وأحببت أن أؤكد هذا لبيان الصورة الحقيقية. ولم يقتصر التدريب على الأكاديمية العسكرية، بل هناك برامج تدريبية مستمرة في أكاديمية الأوقاف والأكاديمية الوطنية. ومن باب الكفاءة والجدارة واكتشاف المواهب يأتي برنامج «دولة التلاوة». في موسمه الأول، الذي احتفلنا به في شهر رمضان الماضي في ليلة القدر، أعلنت أمام فخامة الرئيس أنه حقق ٣٫٧ مليار مشاهدة. وبعد شهرين، أخبرتني «الشركة المتحدة»، من خلال الرصد الموجود لديها، أن مشاهدات الموسم الأول وصلت إلى ٥ مليارات مشاهدة. وحين راجعنا أرقام صفحات المنتدى مؤخرًا، وُجد أن المشاهدات وصلت إلى ٩ مليارات مشاهدة، بفضل الله! لقد نجح البرنامج في إدخال البهجة والسكينة إلى بيوت المصريين، واجتمعت حوله الأسرة المصرية في تنافس شريف ومواهب عبقرية عذبة شجية الصوت، جميلة الأداء، لتجتمع الأسرة المصرية على تنافس في غاية الجمال. وبفضل الله، جاء القبول وكان صداه في وجدان أهلنا الكرام فوق ما كنا نتخيل. ونحن الآن بصدد إطلاق الموسم الثاني؛ فقد فتحنا باب القبول، واختبرنا المتقدمين في كافة محافظات مصر، وتم تسجيل الحلقات، على أن يبدأ بث الموسم الثاني يوم ١٣ من نوفمبر القادم، بعد أيام قريبة، إن شاء الله. بشرى لأهلنا الكرام في مصر؛ برنامجكم الذي لمس القلوب واجتمعت عليه الأسرة ترك صدىً عالميًّا في أستراليا وكازاخستان وبوروندي وأمريكا. فمصر قادرة على أن تصنع شيئًا جميلًا؛ لأن القرآن الكريم نزل في مكة، لكنه تُلي في مصر، وهذا قدر مصر.