مساحة إعلانية
لفت نظري بشدة أنه لم تكد فرحة المصريين بالفوز في أول مباراة بتاريخ مشاركات المنتخب الوطني في كأس العالم تهدأ، حتى تحولت مشاهد الاحتفال إلى حالة من الجدل والغضب بعد تداول صور ومقاطع فيديو تُظهر تعرض عدد من مرافق منطقة المشجعين (Fan Zone) بالعاصمة الإدارية الجديدة لأعمال تخريب نفذها بعض الشباب عقب المباراة.
هذه المشاهد أثارت موجة واسعة من الاستياء على مواقع التواصل الاجتماعي، وانطلقت معها الاتهامات المعتادة التي تُحمّل الشباب وحدهم المسؤولية. لكنني لا أريد أن أوجه أصابع الاتهام، بل أطرح سؤالًا أكثر أهمية:
لماذا حدث ذلك؟
هل كان الأمر مجرد تصرفات فردية؟ أم أنه يعكس حالة أعمق يعيشها قطاع من الشباب المصري؟
الكبت ليس بالضرورة كبتًا عاطفيًا فقط، بل قد يكون كبتًا اقتصاديًا، واجتماعيًا، ونفسيًا. فحين يجد الشاب نفسه عاجزًا عن الحصول على فرصة عمل مناسبة، أو غير قادر على تكوين أسرة بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، أو يواجه موجات متلاحقة من غلاء الأسعار، فإن الضغوط تتراكم داخله يومًا بعد يوم.
ثم تأتي قضية المخدرات التي أصبحت تهدد شريحة ليست بالقليلة من الشباب، فتزيد من حدة السلوكيات العنيفة أو غير المسؤولة، وتدفع البعض إلى تصرفات لا تعكس حقيقتهم ولا أخلاق المجتمع المصري.
ولا يمكن تجاهل عامل آخر، وهو الخوف من المستقبل. فحين يصبح الغد غامضًا، وتكثر التساؤلات حول فرص النجاح والاستقرار، يشعر بعض الشباب بالإحباط، وقد يتحول هذا الإحباط إلى غضب يبحث عن أي منفذ للتعبير عن نفسه، حتى وإن كان في صورة تخريب لممتلكات عامة أو سلوكيات غير مقبولة.
هذا لا يبرر التخريب، ولا يمنحه أي شرعية، فالممتلكات العامة هي ملك لكل مواطن، والاحتفال لا يمكن أن يكون على حساب ما أنفقته الدولة من أموال لخدمة المواطنين. لكن في الوقت نفسه، فإن معالجة النتائج دون البحث في الأسباب لن تؤدي إلى حل حقيقي.
الشباب المصري ليس بطبيعته عدوانيًا، بل هو نفسه الذي نراه يبهر العالم في ميادين العمل، والابتكار، والرياضة، والعمل التطوعي عندما تتوفر له البيئة المناسبة. لذلك فإن المطلوب ليس فقط إدانة المخطئ، وإنما فهم الظروف التي قد تدفع بعض الشباب إلى مثل هذه التصرفات، والعمل على معالجتها.
إن الاستثمار الحقيقي ليس في بناء الملاعب والساحات فقط، بل في بناء الإنسان، وخلق فرص العمل، ودعم الأنشطة الرياضية والثقافية، وتوسيع الأمل أمام الشباب، حتى يشعر كل شاب أن له مكانًا في المستقبل، وأن جهده يمكن أن يصنع فارقًا.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن نناقشه بهدوء وصدق:
هل يعاني الشباب المصري من الكبت؟ أم أننا أمام أزمة أمل تحتاج إلى حلول عملية تتجاوز اللوم والإدانة؟
فالإجابة عن هذا السؤال قد تكون بداية الطريق نحو فهم أعمق، وحلول أكثر فاعلية، ومستقبل أفضل لشباب هم الثروة الحقيقية لهذا الوطن