مساحة إعلانية
وكالات أنباء - دراسات
الأوضاع في العالم تتغير يوما بعد يوم والضحية هو الفرد أو قل المواطن فأخبار النزاعات والحروب جعلته يتمني أن يبتعد وهذا ما لفت بعض الهيئات لدراسة ظاهرة النزاعات وتأثيرها
ففي وقت تمتلىء فيه الشاشات بأخبار النزاعات من أوكرانيا إلى الخليج إلي السودان واليمن وليبيا وايران والصومال وفلسطين وغزة ولبنان ومناطق أخرى مشتعلة لم تعد المشكلة في غياب الأخبار بل في كثرتها الهائلة وفي الطريقة التي يُوزع بها الاهتمام عليها. وبينما تهيمن بعض الحروب على العناوين ساعة بعد ساعة تتوارى نزاعات أخرى في الظل رغم ما تخلفه من مآسٍ إنسانية لا تقل قسوة.
هذا التفاوت في الاهتمام يكشف عن ظاهرة متصاعدة تُعرف بإرهاق الحروب وهي حالة من التشبع النفسي والإعلامي تنتج عن التعرض المستمر لسيل الأخبار السلبية ما يدفع الجمهور تدريجيًا إلى تقليل متابعته أو الاكتفاء بمتابعة صراعات بعينها بينما تغيب أخرى عن دائرة الانتباه.
وتشير دراسات حديثة إلى أن التعرض المكثف للأخبار المرتبطة بالحروب والأزمات يترك آثارًا نفسية واضحة من بينها الإجهاد العاطفي والإرهاق الإعلامي وهي حالة تدفع كثيرين إلى تجنب الأخبار أو تقليص استهلاكها.
ووفق أبحاث إعلامية يشعر نحو ثلثي الجمهور بالإرهاق من كثافة المحتوى الإخباري فيما بات ما يقارب 40 بالمئة من الناس يتجنبون متابعة الأخبار أحيانًا أو بشكل متكرر بسبب تأثيرها السلبي على المزاج وتكرارها المستمر.
ومع امتداد النزاعات لفترات طويلة تفقد التغطية الإعلامية تدريجيًا قدرتها على إثارة الصدمة والتعاطف فالمشاهد التي كانت تهز الوجدان في البداية تصبح مع الوقت جزءًا مألوفًا من المشهد اليومي في ظاهرة يصفها مختصون بـ"تآكل أثر الصدمة"، حيث يعتاد الجمهور صور الدمار فيتراجع تفاعله معها مهما بلغت قسوتها.
وفي العصر الرقمي ازدادت الصورة تعقيدًا فالحروب لم تعد تُنقل فقط كأحداث إخبارية بل تحولت إلى محتوى يتنافس على جذب الانتباه في فضاء مزدحم بالمشاهد والصور والمقاطع القصيرة.
ومع انتشار المواد المصنوعة بتقنيات الذكاء الاصطناعي والمحتوى الدعائي عبر منصات التواصل بات التمييز بين الحقيقة والمبالغة أكثر صعوبة وأصبح الحدث نفسه يخضع لقواعد الانتشار لا لقيمته الإنسانية أو السياسية.
في المحصلة لا يعيش العالم أزمة نقص في المعلومات بل أزمة انتباه. حروب تتحول إلى قضية رأي عام عالمي وأخرى تبقى خارج دائرة الضوء لا لأنها أقل مأساوية، بل لأنها أقل حضورًا في المشهد الإعلامي.