2026-08-19 12:39:00
مساحة إعلانية
كتب سمير لوبه
واللافت بعد قراءة المجموعة أنها ليست مجرد قصص متجاورة؛ هناك خيط داخلي واضح يجمعها
الحنين والفقد والزمن والإنسان الذي يكتشف متأخرًا أنه فقد شيئًا لا يمكن استعادته. كما أن الإسكندرية ليست مجرد خلفية مكانية؛ البحر والترام والشوارع تتحول إلى ذاكرة حية داخل عدد من القصص. في «ملتقى البحرين» مثلًا يصبح طريق الترام استدعاءً لطفولة كاملة، ويقارن الراوي بين وفرة الطعام في الحاضر وطعم السردين القديم المرتبط بالأم والأب والبيت.
البحث عن رأس الرجل.. حين يصبح الماضي هو البطل الخفي
في مجموعته القصصية «البحث عن رأس الرجل»، الصادرة عن دار ديوان العرب للنشر والتوزيع عام 2025 يكتب طارق إبراهيم الشناوي عن أشياء تبدو في ظاهرها متباعدة
رأس رجل غريب، سمكة يبحث صاحبها عن شبيهة بمحبوبته القديمة، طفل يذهب مع أمه إلى المكس، أب يقف «على باب الله»، عازف فقد مجده، صديق يموت في المسجد، امرأة تحتفل بعيد ميلادها وحيدة، صديق طفولة يختفي، وأستاذ جامعي يواجه لحظة امتحان أخلاقية، وصولًا إلى عالم مستقبلي تُصنع فيه الأطفال كما تُصنع الأجهزة.
لكن القراءة المتأنية تكشف أن هذه الأشياء ليست متباعدة كما تبدو.
إنها جميعًا تنويعات على سؤال واحد
ماذا يفعل الإنسان عندما يفقد شيئًا كان يظنه جزءًا ثابتًا من حياته؟
ومن هنا تأتي أهمية عنوان المجموعة «البحث عن رأس الرجل». فالبحث في القصة الأولى يبدو بحثًا عن رجل غريب، لكن الرأس التي تتحول إلى كرة قدم تصبح منذ البداية صورة مكثفة للمجموعة كلها
الإنسان الذي يفقد رأسه، أو يفقد ذاكرته، أو يفقد قدرته على المقاومة، أو يتحول إلى مجرد أداة داخل عالم أكبر منه.
الإسكندرية ليست مكانًا
أبرز ما يميز المجموعة أن الإسكندرية لا تظهر بوصفها ديكورًا سياحيًا.
إنها ذاكرة.
في القصة الأولى يمشي الراوي في محطة الرمل والكورنيش، ويقارن المدينة التي يعرفها بالمدينة التي صارت إليها. اختفاء حديقة الخالدين، واختفاء التماثيل، واحتلال المطاعم والمحلات للأماكن القديمة، كلها تتحول إلى إشارات على تغير العالم الذي عرفه الراوي. حتى البحر نفسه لم يعد سهل الوصول إليه كما كان.
وهنا ينجح الكاتب في تحويل التغير العمراني إلى تغير نفسي.
فالمدينة التي تتغير في الخارج تستدعي مدينة أخرى داخل الذاكرة.
ولهذا تبدو الإسكندرية في المجموعة أقرب إلى شخصية صامتة منها إلى مسرح للأحداث. البحر حاضر، محطة الرمل حاضرة، المكس والشوارع القديمة حاضرة، لكنها في العمق كلها أدوات لاستعادة الزمن.
وفي «ملتقى البحرين» يبلغ هذا الحس ذروته. الرحلة إلى المكس ليست مجرد رحلة طفل مع أمه؛ إنها رحلة إلى عالم لم يعد موجودًا. الترام الأصفر، أسماء المحطات، الصيادون، السمك، المخبز، وابور الجاز، ثم العودة بعد عقود إلى مطعم زفير؛ كل ذلك ينتهي إلى مفارقة مؤلمة
الطعام الفاخر أمام الراوي لا طعم له، بينما السردين القديم ما زال محتفظًا برائحته وطعمه في الذاكرة.
وهذه واحدة من أجمل تقنيات المجموعة
الذاكرة هنا أقوى من الحاضر.
من الفقد الشخصي إلى الفقد الجماعي
لا يكتفي الشناوي بالحزن على الماضي الشخصي، وإنما يوسع دائرة الفقد تدريجيًا.
في «سمكة لا تشبه الأخريات» يتحول فقد الحبيبة إلى طقس عبثي. الصياد يصطاد السمك ثم يعيده إلى البحر لأن أياً من الأسماك لا تشبه ميسون. الحكاية في ظاهرها ساخرة، لكنها في جوهرها عن رجل توقف الزمن عند لحظة اختفاء امرأة أحبها.
أما «سجادة صلاة» فتنقل الفقد من مستوى الحب إلى مستوى الصداقة والموت. الرجل الذي يعتاد الجلوس بجوار الحاج عمر لا يعرف عنه إلا القليل، ثم يكتشف فجأة أنه مات. وما يزيد الألم أن أشياء كثيرة كان يمكن أن تُقال لم تُقل. تبقى السجادة وحدها شاهدة على علاقة لم تكتمل.
وهنا تتكرر إحدى أهم أفكار المجموعة
نحن غالبًا لا نعرف قيمة الأشخاص إلا عندما يصبح الكلام معهم مستحيلًا.
الأمر نفسه يحدث في «صديقي حسن». صداقة تمتد من الطفولة إلى الشيخوخة، لكن صاحبها لا يكتشف أن حسن مات إلا عندما يذهب إلى موعدهما الأسبوعي المعتاد. حتى المكان نفسه لا يعود يعرفه. وحين يقول له نادل المقهى «البقية في حياتك يا دكتور»، تنغلق الدائرة بصورة شديدة الاقتصاد.
الطفل بوصفه شاهدًا على العالم
من أجمل مناطق المجموعة القصص التي تُروى من زاوية الطفل.
«الحوض المرصود» مثال واضح. الطفل يريد أن يصبح رجلًا، فيقبل اختبارًا سخيفًا فرضته جماعة من الصبية، ثم يجد نفسه داخل تابوت، لتتحول التجربة إلى كابوس فانتازي كثيف.
والأهم أن الرعب هنا لا يأتي فقط من الشياطين والعفاريت، إنما من ضغط الجماعة على الفرد.
الطفل لا يدخل التابوت لأنه شجاع، وإنما لأنه يخاف أن يوصف بالجبن. كي يتخلص من عقدة عمرو وشلته والتنمر بأغنية سلامتها أم حسن
وهذا يجعل القصة أعمق من مجرد حكاية رعب؛ إنها قصة عن الطريقة التي يُجبر بها الإنسان على ارتكاب ما يخشاه حتى لا يفقد صورته أمام الآخرين.
ويأتي «على باب الله» داخل القصة نفسها ليقدم نموذجًا آخر للطفولة؛ الطفل يفسر عبارة أمه «أبويا على باب الله» حرفيًا، فيتخيل الأب واقفًا على باب الله ينتظر وظيفة أو أجرًا. المفارقة هنا جميلة لأن اللغة الاجتماعية المجازية تتحول في ذهن الطفل إلى عالم حقيقي. ثم تأتي النهاية الواقعية القاسية
الأب يخرج من البيت بعد مشاجرة ورمي يمين الطلاق ولا يعود.
السخرية ليست نقيض الحزن
من نقاط القوة في المجموعة أن الكاتب لا يتعامل مع الحزن بوصفه حالة يجب أن تُكتب دائمًا بنبرة جادة.
هناك سخرية واضحة.
في «500 ثانية» يتحول انتظار إشارة المرور إلى حالة وجودية. الرقم 500 يجعل الرجل يتخيل الغزو الفضائي والانفجار ونهاية العالم، بينما الحياة اليومية تستمر حوله
ماسح زجاج، طفلة تبيع المناديل، بائع مشروبات، زوجة، أبناء. وفي النهاية، بعد أن تنتهي الإشارة، يسأل زوجته ببساطة: «هو إحنا كنا رايحين فين؟».
هذه نهاية ساخرة، لكنها في الحقيقة شديدة الدلالة.
فالإنسان الذي أمضى خمس دقائق يتخيل نهاية العالم لا يعرف في النهاية إلى أين كان ذاهبًا.
كأن القصة تقول إن المشكلة ليست في أننا نخاف من الموت، بل في أننا كثيرًا ما نعيش دون أن نعرف إلى أين نمضي.
الكتابة داخل الكتابة
من اللافت أيضًا أن الكاتب يجعل «الكاتب» شخصية داخل عدد من القصص.
في «موت مؤجل» يعاني الراوي من عجزه عن كتابة قصة جديدة، ثم يظهر عازف العود في مساحة بين الحلم والواقع، ويحكي له عن أفوله الفني وفقدانه القدرة على التأثير. العازف يقول إنه انتهى، والكاتب يشعر أن السؤال موجه إليه هو أيضًا.
وفي «نرمين» تتطور اللعبة أكثر؛ الكاتب يفكر في عشرات الأفكار ولا يستطيع اختيار قصة، ثم تتدخل زوجته لتقطع عليه خلوته الكتابية. هنا يصبح الكاتب نفسه مادة للسخرية، وتصبح أزمة الكتابة موضوعًا للقصة بدل أن تكون مجرد خلفية لكتابتها.
وهذا من أجمل جوانب المجموعة
القصة أحيانًا لا تحكي حكاية فقط، وإنما تسأل أيضًا كيف تُصنع الحكاية؟ ومن أين يأتي الكاتب بأفكاره؟
حين يصبح المكان أرشيفًا
في «خمسة جنيهات لعم حمدي» تتجلى فكرة الذاكرة بصورة مباشرة جدًا.
عم حمدي بائع الجرائد ليس مجرد شخصية ثانوية. إنه حارس لذاكرة شارع كامل. الراوي يتذكر المجلات التي كان يقرأها طفلًا ميكي وسمير والمغامرون الخمسة، ثم يعود بعد سنوات ليجد أن المكان اختفى، والشجرة اختفت، والمحل اختفى، وعم حمدي نفسه أصبح جالسًا على الأرض.
الأكثر دلالة أن عم حمدي كان يعرّف الطفل على كتاب وكتّاب جدد، ثم يصبح الطفل نفسه بعد عقود شخصًا يحمل ذاكرة القراءة القديمة.
هنا تتحول المجلة إلى أكثر من مطبوعة
تصبح وسيلة انتقال للذاكرة من جيل إلى جيل.
ولهذا فإن سقوط المحل لا يعني اختفاء محل بيع الجرائد فقط، وإنما يعني اختفاء عالم ثقافي واجتماعي كامل.
«علم بائس وحيد»: أفضل قصص الرمز
أرى أن «علم بائس وحيد» من أكثر قصص المجموعة نجاحًا من الناحية الرمزية.
اختيار العلم راوياً قرار ذكي، لأن العلم يملك ذاكرة لا يملكها الأشخاص. إنه يرى كل شيء من أعلى: الموظفين، المدرسة، الأجيال، تغير الشارع، الإهمال، ثم يأتي اليوم الذي يُفك فيه من السارية ويُلقى به من أعلى المبنى.
المفارقة المؤلمة أن العلم القديم، الذي كان رمزًا للفخر، ينتهي كخرقة، ثم يجد أخيرًا مأوى عند مشرد يستخدمه وسادة.
النهاية شديدة الذكاء لأنها لا تقدم خطابًا وطنيًا مباشرًا.
لا يقول الكاتب إن الوطن ضاع.
بل يجعل القارئ يرى بنفسه كيف يتحول الرمز إلى شيء مهمل، وكيف يجد العلم في النهاية حنانًا عند إنسان مهمل هو الآخر.
وهذه من أنجح لحظات المجموعة في استخدام المفارقة.
«العميد»: حين يتحول الخوف إلى امتحان
إذا كانت قصص كثيرة في المجموعة تتعامل مع الماضي، فإن «العميد» تنقل المجموعة إلى سؤال أخلاقي حاضر.
العميد الجامعي يعيش في عالم من الامتيازات والمكانة والحرص على المستقبل: زوجة تريد رئاسة قسم، ابن، منصب، طلاب، مرافقون. ثم يدخل الأمن إلى لجنة الامتحان ويقبض على طالب أمامه. فجأة يجد الرجل نفسه أمام امتحان حقيقي لا علاقة له بالامتحانات الأكاديمية.
القصة هنا تقوم على مفارقة قوية
العميد الذي يراقب الامتحانات طوال حياته يصبح هو نفسه في امتحان.
والطالب الأسير لا يتكلم تقريبًا، بينما تتكلم مخاوف العميد في داخله.
وعندما يقول في النهاية:
«يا سيادة العقيييد، أنا مستقيييل»
فإن الجملة ليست مجرد إعلان استقالة.
إنها لحظة استعادة للذات.
«أطفال العالم الجديد»: نهاية مناسبة للمجموعة
اختيار «أطفال العالم الجديد» خاتمة للمجموعة موفق.
بعد أن أمضينا معظم القصص مع الماضي والذاكرة والموت والفقد، ينتقل الكاتب إلى المستقبل.
لكن المفارقة أن المستقبل ليس أكثر إنسانية.
عماد ونبيلة يناقشان إنجاب طفل كما لو أنه مشروع تقني. يختاران طفلًا صناعيًا، ثم يدخلان في تفاصيل الجنس والعمر والبشرة والشعر والعينين واللغة والاهتمامات، وصولًا إلى إنتاج الطفل في المختبر.
وفي نهاية القصة تستلقي نبيلة وهي تتخيل طفلًا مثاليًا لا يوقظها ليلًا ولا يحتاج إلى رعاية ولا يسبب لها المتاعب، ثم تفكر حتى في عمره المناسب.
هنا تصبح الخاتمة أكثر من قصة خيال علمي.
إنها عودة إلى سؤال المجموعة الأساسي
ماذا يحدث للإنسان عندما يصبح الشيء الذي كان يمنحه معنى مجرد منتج قابلًا للبرمجة؟
فالطفل في نهاية المجموعة ليس فقدًا من الماضي، وإنما احتمال فقد في المستقبل.
وهذا يجعل النهاية ذكية من الناحية البنيوية؛ إذ تتحرك المجموعة من الحنين إلى المستقبل، لكنها تكتشف أن المستقبل نفسه قد يحمل نوعًا جديدًا من الفقد.
لغة المجموعة
لغة الشناوي واضحة، مباشرة، وقريبة من السرد الشفهي، لكنها لا تتخلى عن الصورة الأدبية.
وهذا مناسب جدًا لطبيعة القصص؛ فالمؤلف لا يحاول استعراض اللغة على حساب الحكاية.
أحيانًا يستخدم تعبيرًا تصويريًا موفقًا، وأحيانًا يعتمد على الجملة البسيطة التي تحمل الضربة في نهايتها.
ومن خصائصه الواضحة أيضًا الاستفادة من التفاصيل اليومية
الطعام، الشارع، الترام، الجرائد، المقهى، الهاتف، السيارة، المدرسة، المسجد، الجامعة.
هذه التفاصيل هي التي تجعل العالم القصصي مقنعًا.
لكن هناك ملاحظة نقدية مهمة
بعض القصص تميل إلى الشرح الزائد بعد أن تكون الفكرة قد وصلت بالفعل.
وفي عدد من المواضع يستطيع القارئ أن يستنتج الدلالة من الحدث، بينما يواصل السرد تفسيرها أو دعمها. لو جرى حذف بعض هذه الزيادات، لأصبحت بعض القصص أكثر حدة وكثافة.
كذلك هناك تفاوت طبيعي في مستوى القصص؛ وهذا أمر متوقع في أي مجموعة. بعض النصوص تملك فكرة وبناءً ونهاية شديدة الإحكام، بينما تعتمد نصوص أخرى بدرجة أكبر على الحنين أو المفارقة أو الفكرة المركزية.
أين تكمن قوة المجموعة؟
أعتقد أن قوة «البحث عن رأس الرجل» الأساسية في أربعة في الآتي
الكاتب لا يبحث عن أبطال استثنائيين. أغلب شخصياته أشخاص عاديون، لكنهم يحملون جرحًا أو سرًا أو خسارة.
المجموعة في جوهرها كتاب عن الذاكرة أكثر مما هي كتاب عن الأحداث.
الإسكندرية تمنح القصص ملمسًا خاصًا، ولا سيما حين تمتزج الذاكرة بالمكان.
النهايات لا تعتمد دائمًا على الصدمة المباشرة؛ أحيانًا تأتي المفارقة بهدوء، مثل نهاية «صديقي حسن»، أو «خمسة جنيهات لعم حمدي»، أو «علم بائس وحيد».
وما الذي كان يمكن أن يكون أفضل؟
لو أردت النظر إلى المجموعة بعين ناقد صارم، فسأقول إن بعض النصوص كان يمكن أن تستفيد من مزيد من الاقتصاد.
هناك قصص تمتلك فكرة قوية جدًا، لكن الكاتب يمنحها مساحة تفسيرية أكبر مما تحتاج.
كما أن بعض القصص تنجح لأنها تعتمد على «الضربة الأخيرة»، ولذلك فإن أي إطالة قبل النهاية قد تقلل من أثرها.
وهناك أيضًا تفاوت في درجة التجريب. بعض القصص مثل «البحث عن رأس الرجل»، و«الحوض المرصود»، و«موت مؤجل»، و«علم بائس وحيد»، و«أطفال العالم الجديد» تمتلك تصورًا فنيًا أكثر مغامرة، بينما تستند قصص أخرى بصورة أكبر إلى الحكاية التقليدية والحنين والمفارقة.
لكن هذا التفاوت لا يهدم المجموعة بل يكشف عن كاتب يجرب أكثر من طريق داخل فن القصة القصيرة.
في النهاية
«البحث عن رأس الرجل» ليست مجموعة عن الماضي فقط رغم أن الماضي يسكن معظم صفحاتها.
إنها مجموعة عن الإنسان حين يلتفت إلى الوراء فيكتشف أن الأشياء التي صنع منها حياته لم تعد موجودة: شخص رحل، شارع تغير، محل اختفى، أم ماتت، صديق لم يعد ينتظر، حبيبة لم تعد، مهنة انتهت، علم تمزق، أو حتى معنى إنساني يخشى أن يتحول في المستقبل إلى منتج صناعي.
ولهذا يبدو البحر في بعض القصص مهمًا جدًا؛ لأنه الشيء الوحيد تقريبًا الذي يستطيع أن يبقى بينما يتغير كل شيء حوله.
والكاتب لا يحاول إعادة الماضي.
إنه يعرف أن الماضي لا يعود.
لكنه يفعل شيئًا أكثر أدبية:
يمنحه حياة أخرى داخل القصة.
وهنا تكمن قيمة المجموعة.
إنها لا تقول للقارئ: تذكر.
بل تجعله يتذكر من تلقاء نفسه.
وربما لهذا فإن أجمل ما يمكن أن يقال عن «البحث عن رأس الرجل» أنها مجموعة قصصية عن أناس يمضون، وأماكن تتغير، وأشياء تختفي، لكن الحكاية ترفض أن تموت.
فما دام هناك من يكتب، فإن الرجل الذي اختفى، والسمكة التي لم تشبه ميسون، والترام الذي وصل إلى المكس، والحاج عمر، وحسن، وعم حمدي، والعلم البائس، وحتى الأطفال الذين لم يولدوا بعد، سيظلون جميعًا موجودين في المكان الوحيد الذي لا تستطيع الأيام هدمه
الذاكرة.
