مساحة إعلانية
في سلسلة الإنسان قبل النص لا أحاول الاقتراب من النصوص لكونها كلمات فقط ولا أبحث عن الشاعر من خلال قصيدته وحدها بل أحاول كل مرة أن أرى الإنسان الذي يقف خلف اللغة وأن أقترب من ملامحه اليومية ومن طريقته في الحضور وسط الناس ومن أثره الإنساني قبل أثره الأدبي
ولهذا أكتب اليوم عن الشاعرة الاستاذة سهير سليم
في البداية أحب أن أشير إلي أنه لا تربطني أي صداقة بالشاعرة سهير سليم ولا حتي تواصل افتراضي بالمعنى المتداول للعلاقات داخل الوسط الثقافي ولم تجمعنا جلسات اصدقاء طويلة
كل ما بيننا أنني أراها من بعيد في الندوات والأمسيات التي أحضرها وأستمع إليها كشاعرة لكنني أؤمن أن بعض البشر يمكن أن تلتقط حقيقتهم من طريقة جلوسهم ومن نبرة أصواتهم ومن ملامحهم وهم يتعاملون مع الآخرين أكثر مما تلتقطها من سنوات المعرفة
ولا أخفي عليكم أن شعراء العامية الذين يسرقون سمعي ووجداني أصبحوا قلائل جدا خاصة في السنوات الأخيرة حيث اختلط الضجيج بالشعر وصارت القصيدة أحيانا مجرد استعراض لغوي أو محاولة سريعة للحضور لكن سهير سليم من الأصوات التي انتبهت إليها مبكرا لأنها لا تبدو منشغلة بإثبات نفسها بقدر انشغالها بأن تقول ما تشعر به بالفعل
دخلت الوسط الثقافي في سنوات ليست بعيدة لكنها استطاعت أن تصنع لنفسها حضورًا حقيقيًا وصادقًا دون صخب كبير ودون معارك مصطنعة وهذا في رأيي من أصعب ما يمكن أن يحققه شاعر الآن
في دواوينها التي تنقلت بين أنا الحكاية
وجسر الحكاوي وابن الزناتي وعنقود كلام ثم بواقي العيد تبدو الكتابة عندها أقرب إلى امرأة تحاول أن تنقذ ما تبقى من دفء العالم لا شاعرة تسعى إلى استعراض قدرتها على تركيب الصور البلاغية
قصيدتها لا تأتيك من فوق ولا تتعامل مع القارئ بتعالٍ بل تدخل إليه بهدوء يشبه دخول صوت قديم إلى بيت تعرفه جيدًا ولهذا تشعر وأنت تقرأها أن هناك شيئًا إنسانيًا يتحرك خلف الكلمات وأن الحزن عندها ليس زينة شعرية وإنما جزء من تكوينها النفسي والروحي
وربما لهذا السبب تحديدًا تحدث عنها أصدقاء مقربون منها أثق في شهاداتهم بوصفها إنسانة قبل أن تكون شاعرة ومنهم الصديق الشاعر ايهاب البشبيشي وتكررت أمامي أوصاف كثيرة عنها تتعلق بالهدوء والاحترام والانحياز البسيط للناس وعدم افتعال العلاقات أو الخصومات
وأنا شخصيًا لاحظت ذلك من حضورها معنا في بعض الندوات فهناك أشخاص يدخلون القاعة فتشعر أنهم جاءوا ليعلنوا وجودهم وهناك من يدخلونها بهدوء فيتركون أثرًا دون أن يقصدوا وسهير سليم من النوع الثاني
واخر الندوات التي جمعتني بها كانت ندوة شعر العامية باتحاد كتاب مصر والتي شرفت بإدارتها
تمتلك سهير سليم من الإنسانية ما لا يمتلكه شعراء كثيرون وربما لهذا لا تبدو قصائدها منفصلة عنها لأن الإنسان الحقيقي دائمًا يفضح نفسه داخل النص مهما حاول الاختباء
هي لا تكتب العامية باعتبارها موضة ثقافية أو بطاقة مرور إلى التصفيق السريع لكنها تكتبها باعتبارها جزءا من روحها ومن علاقتها بالحياة ولذلك تأتي قصيدتها مشغولة بالتفاصيل الصغيرة وبالحنين وبالمرأة المصرية التي تحمل وجعها بصمت وبالإنسان الذي يحاول النجاة من قسوة الأيام دون أن يفقد قلبه
ولأننا في زمن أصبح فيه كثير من الشعراء منشغلين بصورتهم أكثر من قصائدهم تبدو سهير سليم وكأنها تنتمي إلى زمن آخر أكثر هدوءا وأقل ادعاء
ولهذا أكتب عنها اليوم لا باعتبارها مجرد شاعرة عامية مصرية وإنما باعتبارها إنسانة استطاعت أن تفعل أثرا محترما وصادقا في كل من اقترب من صوتها أو شاهد حضورها أو قرأ قصائدها بعيدا عن الضجيج