مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

الجميلي أحمد يكتب: في حضرة السعيد قنديل الشعر يصبح وطنا

2026-03-01 03:54 AM  - 
الجميلي أحمد يكتب: في حضرة السعيد قنديل الشعر يصبح وطنا
الشاعر السعيد قنديل
إعلان بنك saib

حين أكتب عن السعيد قنديل فأنا لا أكتب عن شاعر عابر في مشهد مزدحم بالأسماء بل أكتب عن تجربة كاملة وعن سيرة إنسان اختار أن يكون صادقا حتى النهاية وأن يجعل من العامية المصرية وطنا مفتوحا للحلم والوجع والفرح نعم عرفته منذ أكثر من خمس وثلاثين سنة ولم أعرف عنه إلا الثبات على المبدأ والصفاء في المعاملة والصدق في القول ولم أر فيه يوما ذلك الشاعر الذي يتبدل حسب المصلحة أو يتلون حسب الريح بل رأيت رجلا واحدا بوجه واحد وقلب واحد

السعيد قنديل ابن قرية الحدادي بمركز سيدي سالم في محافظة كفر الشيخ حمل من الريف صفاءه ومن الأرض عنادها الجميل ومن الناس بساطتهم النبيلة فجاء شعره مشبعا بروح المكان نابضا بعرق الحقول وملامح الصيادين وأحلام البسطاء لم يكتب عنهم من فراغ ولم يتأملهم من برج عاجي بل كان واحدا منهم يعرف تفاصيل يومهم ويشعر بوجعهم لذلك جاءت قصيدته دافئة كأنها حديث بين صديقين لا خطبة على منصة

على امتداد دواوينه من حواديت المسافر إلى النهر الوطن ومن للنخل شأن آخر إلى هنا القاهرة ومن بياع حلاوة جبر إلى البلاد التي ضيعت ساكنيها ثم آخر نزيف للجوارح وفرسان الهزائم ورباعيات السعيد قنديل ظل الشاعر منحازا للإنسان البسيط وللحلم الذي يرفض الانكسار لم يسع إلى زخرفة لغوية فارغة ولم يلهث وراء موضة عابرة بل ظل وفيّا لنبرته الشعبية الصادقة يكتب بلسان الناس لكن بروح شاعر يعرف قيمة الكلمة ويعرف أن القصيدة موقف قبل أن تكون صناعة

لم يكن حضوره مقتصرا على صفحات الكتب بل امتد إلى خشبة المسرح حيث كتب أشعارا لمسرح الثقافة الجماهيرية فأضاف للنصوص بعدا غنائيا وإنسانيا يليق بروح المسرح الشعبي كما امتد صوته إلى الأمسيات واللقاءات التلفزيونية فكان في كل ظهور هو ذاته لا يتصنع دور المثقف ولا يختبئ خلف مصطلحات معقدة بل يتكلم كما يكتب بوضوح وطمأنينة وثقة نابعة من إيمان حقيقي بما يفعل

غير أن ما يجعل الاحتفاء بالسعيد قنديل واجبا أخلاقيا قبل أن يكون فعلا ثقافيا هو إنسانيته النادرة فهو ودود بطبعه قريب من القلوب سريع الابتسامة كريم في دعمه للمواهب الجديدة لا يبخل بنصيحة ولا يتردد في تشجيع شاعر شاب يخطو خطواته الأولى وانا شخصيا شاهدا علي تقديمه لي لمجموعة شعراء من كفر الشيخ حينما كنت مشرف علي النشاط الشعري بمعرض القاهرة للكتاب والشاعر الكبير السعيد قنديل  لا يرى في خبرته سلطة بل مسؤولية ولا يرى في تاريخه امتيازا بل عبئا جميلا يدفعه إلى أن يكون قدوة في السلوك قبل الكلمة

طوال سنوات معرفتي به لم أسمعه ينطق إلا بالحق ولم أره يجامل على حساب قناعته وإذا اختلف فإنه يختلف بشرف وإذا لام فإنه يلوم بمحبة صريحة لا تعرف الخبث لذلك ظل اسمه نظيفا في القلوب قبل السجلات وبقيت صداقتنا ممتدة عبر الزمن لأنها مؤسسة على احترام متبادل وإيمان عميق بأن الشعر أخلاق قبل أن يكون نصوصا

السعيد قنديل في تقديري واحد من أولئك الذين يكتبون سيرتهم في قصائدهم ويكتبون قصائدهم في حياتهم فلا تستطيع أن تفصل بين الرجل والنص ولا بين الموقف والكلمة هو شاعر عاش تجربته بصدق فلم تأت قصيدته مفتعلة ولا مستعارة بل خرجت من قلب يعرف معنى الخسارة ويعرف معنى الانتصار ويعرف أن الوطن ليس شعارا بل معاناة يومية وحلم لا ينطفئ

الاحتفاء به هو احتفاء بجيل كامل آمن بأن العامية المصرية قادرة على حمل أعمق الأسئلة وأصدق المشاعر وأن الشاعر الحقيقي هو من يبقى وفيا لجذوره مهما تغيرت الأزمنة وهو في مسيرته الطويلة أثبت أن الإبداع ليس صخبا عابرا بل بناء متراكم وأن القيمة الحقيقية للكاتب تقاس بقدر ما يتركه من أثر في الناس لا بعدد ما يعلقه من أوسمة

لهذا أكتب عنه بمحبة وفخر وأقول إن السعيد قنديل ليس فقط شاعرا كبيرا بل إنسانا كبيرا وأن تجربته جديرة بأن تروى وأن يحتفى بها وأن تظل حاضرة في ذاكرة الثقافة المصرية كصوت صادق لم ينحن ولم يساوم وبقي وفيا للكلمة وللناس ولذاته حتى آخر القصيدة

مساحة إعلانية