مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

الدكتور أسامة رقيعة القانوني الذي يعشق الأدب " حوار شامل"

2026-10-20 01:06 PM  - 
الدكتور أسامة رقيعة القانوني الذي يعشق الأدب " حوار شامل"
الدكتور أسامة رقيعة

حاوره: مصطفى علي عمار
ليس مجرد مستشار قانوني، بل هو نموذج للعقل الذي يجمع بين صرامة النص القانوني ورحابة النص الأدبي. من الخرطوم إلى دبي، على مدى أكثر من ربع قرن، بنى د. أسامة رقيعة مسيرة استثنائية في القانون والحوكمة وإدارة الشركات العائلية، وفي الوقت ذاته شيد مشروعا أدبيا روائيا وفكريا ترجمت أعماله إلى لغات عدة وحظيت بدراسات أكاديمية. عن القانون كشريك في صناعة القرار، وعن الأدب كمساحة لفهم الإنسان، كان لنا معه هذا الحوار.


★ في سطرين كيف يعرف د. أسامة رقيعة نفسه للقارئ؟
أنا قانوني وكاتب سوداني، أبحث في القانون عن العدل الذي ينظم حياة الناس، وفي الأدب عن الإنسان الذي تقف وراءه الحكاية. علمتني التجربة أن قيمة ما نعرفه تظهر فيما نمنحه للآخرين، وأن ما يبقى منا هو الأثر الطيب والمعنى الذي نتركه.

★  تخرجتم في كلية القانون بجامعة الخرطوم وبدأتم محامياً في السودان، ثم انتقلتم إلى دبي منذ عام 2000.. كيف غيرت بيئة الأعمال في الإمارات مساركم المهني؟
منحتني جامعة الخرطوم أساساً قانونياً راسخاً، ومنحتني المحاماة في السودان احتكاكاً مباشراً بالناس ومشكلاتهم. وعندما انتقلت إلى دبي، اتسعت أمامي طبيعة العمل حيث أصبحت أتعامل مع شركات واستثمارات وشراكات تتجاوز حدود الدولة، وفي بيئة سريعة تتطلب قراراً مدروساً في الوقت المناسب.
هذا التحول قربني من الإدارة والاقتصاد، وجعلني أكثر اهتماماً بما يسبق النزاع: كيف تنشأ العلاقة؟ وكيف يصاغ الالتزام؟ وهل يستطيع المشروع الوفاء بما يعد به؟ تعلمت أن قوة الرأي القانوني ترتبط بفهم النشاط الذي يصدر بشأنه، وقدرة صاحبه على تقديم حل يمكن تطبيقه.

★  تقول إن القانون ليس مجرد تفسير للنص بل جزء من صناعة القرار.. كيف يتحول المستشار القانوني من معالج للنزاعات إلى شريك في حماية الأصول واستدامة الأعمال؟
يبدأ ذلك بحضوره منذ بداية الفكرة. عندما يشارك المستشار في دراسة المشروع واختيار الشريك وبناء العلاقة التعاقدية، يستطيع أن يكشف مخاطر يصعب تداركها بعد التوقيع. أما إذا وصل إليه الملف عند وقوع الخلاف، فإن مساحة العمل تصبح أضيق وأكثر كلفة.
وأرى أنه عليه أن يفهم هدف الإدارة، ثم يوضح لها الخيارات وتبعات كل منها بلغة عملية. القرار يحتاج إلى معرفة ما يمكن فعله، وشروطه، وحدود المخاطرة فيه. بهذه الطريقة يصبح العمل القانوني جزءاً من حماية أصول المؤسسة وسمعتها وقدرتها على الاستمرار.

★ خلال عملكم في مجموعة س. س. لوتاه شاركتم في إدراج سندات المشاركة العقارية في سوق دبي المالي عام 2005 كأول تجربة من نوعها.. ماذا أضافت لكم هذه التجربة؟
أضافت إلى خبرتي فهماً عملياً للعلاقة بين الفكرة الاستثمارية والبناء القانوني الذي يحملها. فالانتقال بمشروع إلى السوق المالي يضعك أمام مصالح متعددة، ويجعل وضوح الحقوق والالتزامات والإفصاح مسألة أساسية في بناء الثقة.
ومن أهم ما تعلمته أن الابتكار يحتاج إلى دقة بقدر ما يحتاج إلى جرأة. قد تكون الفكرة جذابة اقتصادياً، لكن نجاحها يتوقف أيضاً على وضوح هيكلها وإمكان تنفيذها وحماية حقوق الأطراف فيها. وقد بقي هذا الدرس حاضراً في طريقة تعاملي مع المشروعات الجديدة.

★ عملكم الحالي مديراً قانونياً في مجموعة إن آر إل متعددة الأنشطة، من السياحة إلى المقاولات والعقارات.. كيف تديرون المخاطر القانونية في قطاعات بهذا التنوع؟
التنوع يقتضي فهماً مستقلاً لكل نشاط؛ فمخاطر العقارات تختلف عن مخاطر السياحة أو الشحن أو المقاولات، ولكل قطاع علاقاته والتزاماته ومتطلباته التنظيمية. لذلك أبدأ بفهم دورة العمل ومواطن التعرض للمخاطر، بالتعاون مع المسؤولين عن النشاط.
وفي المقابل، توجد قواعد مشتركة تحتاجها المجموعة كلها: وضوح صلاحيات التوقيع، وسلامة العقود، ومتابعة التراخيص والمواعيد، وتوثيق المراسلات، وحماية المستحقات. وأعطي الأولوية للمخاطر بحسب أثرها واحتمال وقوعها. الأهم أن تكون الإدارة القانونية قريبة من العمل اليومي، وأن تصلها المعلومة قبل أن تتحول المشكلة الصغيرة إلى نزاع كبير.

★ تمتد خبرتكم إلى مفاوضات وشراكات دولية في إثيوبيا وسيشل وأوروبا وآسيا.. ما أبرز التحديات القانونية التي تواجه الشركات العربية في التوسع عبر الحدود؟
من أبرز التحديات افتراض أن ما يصلح في سوقنا يصلح بالصيغة نفسها في سوق أخرى. الاختلاف يشمل القوانين والإجراءات وثقافة التفاوض وطريقة اتخاذ القرار، وقد تظهر صعوبات في الترخيص أو تحويل الأموال أو تنفيذ الالتزامات وتسوية النزاعات.
ولذلك أرى أن معرفة الشريك والسوق لا تقل أهمية عن صياغة العقد. ينبغي أن نفهم قدرة الطرف الآخر على الوفاء، وأن نستعين بخبرة محلية موثوقة، وأن نناقش منذ البداية احتمالات التعثر وآلية الخروج. الشراكة تحتاج إلى الثقة، وتزداد هذه الثقة رسوخاً عندما تكون التوقعات والحقوق واضحة.

★  حصلتم على دكتوراه إدارة الأعمال في الحوكمة القانونية والاستدامة في الشركات العائلية.. لماذا اخترتم هذا التخصص تحديداً؟
اخترته لأنه يتصل بأسئلة عايشتها في العمل: كيف تنتقل مؤسسة بناها المؤسس بجهده ورؤيته إلى الأجيال التالية؟ وكيف نحافظ على روح العائلة، مع بناء إدارة واضحة ومسؤولة؟ وكيف تتحول القيم التي قامت عليها الشركة إلى ممارسة تستمر بعد تغير الأشخاص؟
وجدت في هذا التخصص مجالاً يجمع القانون بالإدارة وبالبعد الإنساني. فالشركة العائلية تحمل مصالح اقتصادية وعلاقات وذكريات وتوقعات متداخلة، واستدامتها تحتاج إلى فهم هذا التداخل وتنظيمه. أردت أن أدرس كيف يسهم البناء القانوني والحوكمة في حماية العمل والعائلة معاً.

★  ما أكبر خطر يهدد استمرارية الشركات العائلية في الخليج والعالم العربي من وجهة نظركم القانونية؟
في تقديري، يتمثل أحد أكبر الأخطار في بقاء المؤسسة معتمدة على شخص واحد، من دون قواعد واضحة لما بعده. قد يستطيع المؤسس بحضوره وخبرته حسم الخلافات وضبط التوازنات، لكن هذه القدرة الشخصية لا تنتقل تلقائياً إلى الورثة.
وتظهر الصعوبة حين تختلط الملكية بالإدارة، وتبقى مسائل الصلاحيات وتوزيع الأرباح والتخارج وتسوية الخلافات مؤجلة. الاتفاق على هذه الأمور في وقت الاستقرار أكثر يسراً من مناقشتها وسط نزاع. الحوكمة هنا وسيلة لحفظ الحقوق وصون العلاقات العائلية أيضاً.

★ أنتم حاصلون على شهادات متخصصة في إدارة التركات والمواريث.. هل ترى أن غياب التخطيط للمواريث هو السبب الأول في تفكك الشركات العائلية؟
هو سبب مهم، لكنني أتحفظ على وصفه بأنه السبب الأول في جميع الحالات؛ فلكل عائلة وشركة ظروفها. أحياناً تكون المشكلات موجودة قبل انتقال التركة، ثم يكشفها تعدد أصحاب الحقوق واختلاف احتياجاتهم وتصوراتهم لمستقبل العمل.
والتخطيط الذي أقصده يحفظ الحقوق الشرعية والقانونية، ويساعد على وضوح الأصول والالتزامات، واستمرار الإدارة، وتنظيم العلاقة بين أصحاب الحصص. عندما تترك هذه المسائل غامضة، قد تتحول حاجة أحد الورثة إلى السيولة، مثلاً، إلى خلاف يهدد الشركة كلها. لذلك ينبغي التعامل معها مبكراً وبحساسية تحترم العائلة وحقوق أفرادها.

★ صدر لكم في القانون كتب مثل «المدخل لدراسة قانون الشركات» و«المرشد إلى فهم قوانين الإيجار في دبي».. لمن تكتبون الكتاب القانوني؟
أكتب للطالب الذي يحتاج إلى أساس واضح، وللممارس الذي يبحث عن معالجة قريبة من الواقع، وللقارئ الذي تمس القاعدة القانونية ماله أو عمله أو مسكنه. وأحاول أن أجعل المعرفة القانونية مفهومة، مع الحفاظ على دقتها.
خبرتي العملية تجعلني مهتماً بالسؤال الذي سيطرحه القارئ: ماذا يعني هذا بالنسبة إليّ؟ وما الذي ينبغي أن أنتبه إليه؟ لذلك أحرص على وصل الفكرة بتطبيقاتها. ويسعدني أن يساعد كتاب على تجنب نزاع، أو يجعل شخصاً أكثر وعياً بحقوقه والتزاماته.

★ بالتوازي مع القانون أنتم روائي؛ أصدرتم «مامبا سوداء» و«اللحن المفقود» و«خواطر وترحال» وغيرها.. كيف يتكامل القانوني مع الأديب داخلكم؟
يلتقيان عند الإنسان. عملي القانوني يضعني أمام آثار القرارات والنزاعات في حياة الناس، والأدب يدفعني إلى التأمل فيما وراء الوقائع: الخوف والرغبة والضعف والندم، وما يعجز الإنسان أحياناً عن قوله.
منحني القانون الانتباه إلى التفاصيل والانضباط في بناء الفكرة، ومنحني الأدب اتساعاً في النظر إلى البشر والتريث في الحكم عليهم. وفي الكتابة تشغلني أيضاً أسئلة الروح والفقد والمصير؛ كيف يعيش الإنسان وهو يعرف أنه عابر، وماذا يبقى من محبته وأفعاله؟ هذه الأسئلة تفتح لي مساحة لا تستوعبها لغة الملفات.

★ كتابكم «عبقرية سعيد لوتاه» عن مؤسس أول بنك إسلامي في العالم جمع بين السيرة والتوثيق.. لماذا اخترتم هذه الشخصية؟
لأن سعيد لوتاه يمثل، في نظري، تجربة تستحق التأمل في قدرتها على تحويل القناعة إلى عمل ومؤسسات. وما استوقفني فيه هو اتصال رؤيته الاقتصادية باهتمامه بالتعليم وبناء الإنسان وخدمة المجتمع.
وقد أتاح لي عملي معه الاقتراب من هذه التجربة، وأثار لدي الرغبة في فهم المنهج الذي يقف وراءها: كيف يرى الفرصة؟ وكيف يربط نجاح المشروع بقيمة يضيفها إلى الناس؟ ومن هنا جاء الكتاب محاولة لقراءة الشخصية من خلال أفكارها وأثرها، إلى جانب توثيق محطات تجربتها والأثر الذي تركته عندي.

★  ترجمت بعض أعمالكم إلى التركية والفارسية والأمهرية والإنجليزية، وحظيت رواياتكم بدراسات أكاديمية ورسائل ماجستير ودكتوراه في الجزائر.. هل كنت تتوقع هذا الحضور الأكاديمي؟
حين أكتب، يكون اهتمامي أن أقدم نصاً أؤمن به، وأن تصل التجربة الإنسانية فيه إلى القارئ. أما أن يجد فيه باحث سؤالاً يستحق الدراسة، أو أن يعبر النص إلى لغة أخرى، فذلك يمنح الكتاب حياة إضافية لا أستطيع أن أخطط لكل تفاصيلها.
وأعتز بهذا الاهتمام، وأشعر معه بمسؤولية أكبر تجاه ما أكتب. كما يثير فضولي أن أرى كيف يقرأ الآخرون النص، وما الذي يكتشفونه فيه؛ فقد تفتح القراءة الأكاديمية أو الترجمة جوانب لم تكن حاضرة في وعي الكاتب بالصورة نفسها.

★  حصدتم جوائز عدة، منها الكتاب الذهبي 2023 وسفير الإبداع الدولي 2024 وجائزة التميز للمؤلف الإماراتي 2025 وجائزة التميز الدولية 2026.. أي جائزة تمثل لكم محطة فارقة؟
لكل تكريم مكانته، لأنه يرتبط بمرحلة من العمل وبأشخاص منحوا هذا العمل اهتمامهم. وأعتز خصوصاً بالتقدير الدولي الذي حظي به كتاب «عبقرية سعيد لوتاه» الصادر باللغة الإنجليزية في عام 2026؛ لاتصاله بتجربة إنسانية ومؤسسية حرصت على نقلها إلى القارئ.
ومع ذلك، يبقى للقاء القراء أثر خاص عندي. عندما يقول لي قارئ إن كتاباً مسّه أو دفعه إلى التفكير، أشعر بأن الكتابة حققت شيئاً من غايتها. الجوائز تمنحني التشجيع، وهذه الصلة بالقارئ تمنحني الدافع للاستمرار.

★  ما جديدكم القادم على الصعيدين القانوني والأدبي؟
على الصعيد القانوني، يشغلني مواصلة الكتابة التي تصل المعرفة بالتطبيق، خاصة في الإيجارات والشركات والحوكمة، والاستفادة من عملي في الشركات العائلية لتقديم معرفة عملية قريبة من احتياجات أصحاب الأعمال.
وأدبياً، صدر لي مؤخراً كتاب «أثر لا يغيب» عن دار الراصد للترجمة والنشر بالقاهرة، وهي دار أعتز بالتعامل معها. يجمع الكتاب قراءات في نصوص وتجارب إبداعية تركت أثرها في نفسي، وينطلق من إيماني بأن القراءة حوار يمتد بين النص والحياة، وأن بعض ما نقرؤه يبقى فينا ويصبح جزءاً من رؤيتنا للإنسان والعالم.

مساحة إعلانية