مساحة إعلانية
كتب : عاطف طلب
في تحرك يعكس قراءة تنظيمية مرنة لواقع السوق، قررت الهيئة العامة للرقابة المالية مد مهلة توفيق أوضاع شركات إدارة برامج الرعاية الصحية، في خطوة تستهدف تحقيق التوازن بين الانضباط التشريعي واستمرارية النشاط، بما يدعم نمو قطاع التأمين الصحي ويعزز جاذبيته الاستثمارية.
أصدر مجلس إدارة الهيئة العامة للرقابة المالية، برئاسة الدكتور إسلام عزام، قرارًا بمد مهلة توفيق أوضاع شركات إدارة برامج الرعاية الصحية (TPA) لمدة عام إضافي ينتهي في 10 يوليو 2027، وفقًا لمتطلبات قرار الهيئة رقم (229) لسنة 2025، مع استمرار تلقي طلبات التراخيص المؤقتة لنشاطي (TPA) و(HMO) لمدة ستة أشهر من تاريخ نشر القرار.
ويعكس القرار إدراكًا للتحديات الهيكلية التي تواجه الشركات العاملة في هذا القطاع، خاصة فيما يتعلق برفع رؤوس الأموال، والتحول إلى الشكل القانوني كشركات مساهمة، والامتثال لمتطلبات الحوكمة وإدارة المخاطر المنصوص عليها في قانون التأمين الموحد رقم (155) لسنة 2024.
يمثل مد المهلة أداة لتفادي خروج عدد كبير من الشركات من السوق نتيجة عدم القدرة على الامتثال الفوري، وهو ما كان قد يؤدي إلى انكماش النشاط وتقليص المنافسة، ومن ثم ارتفاع تكلفة الخدمات الصحية على المستفيدين.
كما أن اشتراط حد أدنى لرأس المال يبلغ 75 مليون جنيه لشركات التأمين الطبي المتخصص و20 مليون جنيه لشركات إدارة برامج الرعاية الصحية، يعكس توجهًا واضحًا نحو رفع كفاءة الملاءة المالية للشركات، بما يقلل من مخاطر التعثر ويعزز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، خاصة في سوق يتسم بارتفاع معدلات المطالبات الطبية وتذبذب تكاليف الخدمة.
ويُتوقع أن يسهم القرار في:
الحفاظ على عدد أكبر من اللاعبين داخل السوق خلال المرحلة الانتقالية
منح الشركات فرصة لإعادة هيكلة أوضاعها المالية والإدارية
جذب استثمارات جديدة مدفوعة بوضوح الإطار التنظيمي
تعزيز ثقة العملاء في جودة واستدامة الخدمة
تشير البيانات الصادرة عن الهيئة إلى منح ترخيص مؤقت لشركة واحدة في نشاط التأمين الطبي المتخصص و8 شركات في نشاط إدارة برامج الرعاية الصحية، مقابل عدد أكبر من الشركات التي لا تزال في مرحلة توفيق الأوضاع، وهو ما يعكس فجوة قائمة بين متطلبات التنظيم والقدرات الحالية لبعض الكيانات.
ومن ثم، فإن مد المهلة يمثل "فترة تصحيح" للسوق، تسمح بإعادة ترتيب الهيكل التنافسي، بحيث تظل الشركات الأكثر كفاءة وقدرة مالية، مع تقليل المخاطر النظامية المرتبطة بضعف الحوكمة أو نقص رأس المال.
القرار لا يعكس تراجعًا تنظيميًا بقدر ما يعكس مرونة محسوبة، حيث تواصل الهيئة تطبيق معايير صارمة تتعلق بالحوكمة، وإدارة المخاطر، والتحول الرقمي، مع منح الشركات الوقت اللازم للامتثال، وهو نهج معمول به في الأسواق الناشئة التي تمر بمراحل إعادة هيكلة تنظيمية.
الرسالة الأهم من القرار أن السوق لم يعد مفتوحًا للعشوائية، لكنه أيضًا ليس مغلقًا أمام التطور. ما بين تشديد الاشتراطات ومنح مهلة إضافية، ترسم الهيئة مسارًا واضحًا: البقاء للأكثر التزامًا وكفاءة. وإذا أحسنت الشركات استغلال هذه المهلة، فقد نشهد خلال السنوات المقبلة سوق تأمين صحي أكثر نضجًا، وقدرة على التوسع، وجذبًا لرؤوس الأموال.