مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

الشاعر الدكتور مصطفى رجب يكتب :مع ظرفاء ندوة صاحب السموّ !!

2026-03-28 04:32 AM  - 
الشاعر الدكتور مصطفى رجب يكتب :مع ظرفاء ندوة صاحب السموّ !!
الشاعر الدكتور مصطفي رجب

مع بدايات حكم صاحب السموّ الخديوي عباس حلمي الثاني، وتنامي أثر رواد النهضة كالأفغاني والنديم والشيخ محمد عبده ، وظهور بواكير الحركة الوطنية ، ظهرت في مصر مجالس الأدب والفكاهة، وانطلقت "النكتة" من عقالها، تتناول شتى الشئون الداخلية والخارجية من نواحيها المرحة، وساعد على ذلك نشوء صحافة مختصة بالفكاهة كان أبرزها صحيفة " أبو نضارة " التي دان يصدرها محررة بخط يده كتابةً ورسوما اليهودي المصري البارع يعقوب صنوع . وقد ظهر أدباء وشعراء ووجهاء في مضمار الفكاهة، يتسابقون في استنباط النكتة البارعة، ويتنافسون في ابتكار كل طريف من ألوان الأدب، يثيرالضحك ويجلو الهموم . 
ومع شروق شمس القرن العشرين عرفت القاهرة والاسكندرية منتديات الظرف والظرفاء وبلغت تلك المنتديات الغاية من الشهرة والنفوذ، بفضل العظماء الذين كانوا يرتادونها سرا وجهرا، وتنوعت المنتديات، وانتشرت بين مختلف الطبقات، فكان منها ما هو خاص بالعظماء، ومنها ما ينتظم الشعراء، أو الأدباء، أو رجال العلم، ومنها ما انحصر في دائرة شعبية خالصة، والتحم بروافد من الأدب الفكاهي الشعبي، الذي يتفق وميول الشعب، ويتسق مع وجهات نظره إلى المسائل السياسية والاجتماعية ، ويعبر عن آراء المحكومين في الطبقة الحاكمة..
ومع شيوع المنتديات العامة، عرفت القصور وبيوت المشاهير من عِلْية الناس ندوات خاصة تجمع أهل النكتة والظرف، تتعالى فيها ضحكاتهم، وكأنهم يعيشون للمرح وحده ، ويقتاتون بالضحك والظرف !!
وكان من هذه الندوات : ندوة الخديوي عباس الثاني، وكان قوامها ثلاثة من أهل الظرف والفكاهة، وقد توفرت عندهم خفة الروح وسرعة الخاطر وحضور البديهة وهم: "أبو سعدة الجنايني" و "الشيخ عيد" و "أحمد قبودان".. وكانوا جميعا من الشيوخ المسنين الذين عاصروا الخديوي إسماعيل نفسه وكانوا من بين ندمائه..
وكان "أبو سعدة الجنايني" بستانيا في حدائق الخديوي إسماعيل، واشتهر بحلاوة النكتة وخصوبة الذهن، فلما وصل أمره إلى الخديوي عباس حلمي الثاني ألحقه بندمائه وأحد أركان ندوته..
 وكان "الشيخ عيد"  من طلاب الأزهر، وعُرف بمجونه وتهتكه وجرأته ، مما جعل الأزهريين يضطهدونه فانقطع عن الدراسة وصار يرتاد مجالس العظماء والكبراء يطرفهم بفكاهاته وقفشاته ، وقد أتيح له ذات مرة أن يحضر إحدى سهرات الخديوي عباس حلمي الثاني متخفيا. وظهرت مواهبه الفكاهية  .  فشمله الخديوي بعطفه وجعله واحدا من رواد ندوته الأصليين.
أما الثالث  "أحمد قبودان"..  فقد كان "صيادا" يجوب النيل بقاربه ليصيد السمك، فالتقى به أحد رجال المعية الخديوية مصادفة، ولما تبسط معه في الحديث هاله ما سمعه منه من "القفشات" الطلية الرائعة، فتحدث إلى الخديوي في أمره..فاستدعاه وجعله أحد أركان ندوته . فصار ثالث ثلاثة هم عُمُد تلك الندوة .
قصة الخواجه "بوسو"  : 
وكان من عادة الخديوي عباس حلمي الثاني أنه إذا فرغ من مهام الدولة، أمضى سهرته مع ندمائه، وعمد إلى تدبير "المقالب" الضاحكة لهم ! فمن ذلك، أنه طلب ذات مرة  إلى "الشيخ عيد"- وكان يدَّعى المقدرة على استطلاع الغيب !! - أن يقرأ للندوة وروادها  طالع "الخواجه بوسو"..
واتخذ الشيخ عيد هيئة من يتقنون قراءة الطالع ، وشرع يتمتم ويهمهم ويبرطم ليوهم الجالسين أنه يناجي النجوم ويتحاور معها ، ثم قال:
- الخواجه "بوسو" رجل عظيم، سيتولى عما قريب منصبا في الخارج، ولكنه في الوقت الحاضر مشغول الفكر بقضية أمام المحاكم سيخسرها ابتدائيا ويربحها إذا استأنفها، وسيقع في غرام سيدة متزوجة، وسيكون له مع زوجها موقف عصيب يستدعي تدخل رجال الحكومة..!
وكان الخديوي  يتقن التظاهر بأنه مهتم كل الاهتمام  بما يقول الشيخ، ويستعيد بين الفينة والفينة بعض الجُمَل  إمعانا في إتقان المقلب .
 وأخيرا قال الخديوي للشيخ عيد  : "دعني أعرفك بالخواجة "بوسو" لتُسمعه هذا الكلام حتى يمنحك المكافأة..".
ثم صفَّر بفمه، فاندفع إلى القاعة كلبٌ أبيضُ جميلُ الشكل من الكلاب التي يربيها الخديوي، فقال الخديوي للشيخ  عيد وهو يشير إلى الكلب: "هذا هو الخواجه بوسو".. !!
و لأن الشيخ ذو قدم راسخة في خلق النكتة والتخلص من المآزق المحرجة ، فإنه لم يحرج ولم يُبدِ اندهاشاً ولا استغراباًا ، بل أدركته سرعة بديهته و قال على الفور: " مهلا يا مولاي فإن.."الطالع" لم تزل فيه بقية..".!!

فقال الخديوي: "ما هي؟". 
 فأجاب الشيخ عيد :  يقول الطالع: " ويحدث كل هذا للخواجة "بوسو" إلا إذا ارتكب ذنبا، فانسخط كلبا... !!! "
قصة المُهْر دار: 
ومن طرائف رواد ندوة الخديوي عباس  أن "مهر دار" القصر [ أحد رجال المراسم ]  كان يضع لوحةً على غرفة كل موظف من موظفي المعية تُبيِّن وظيفته ، فلما وصل إلى غرفة الندماء الثلاثة [: "أبو سعدة الجنايني" و "الشيخ عيد" و "أحمد قبودان"..] كتب عليها: "إنما نطعمكم لوجه الله". !
فغاظهم ذلك وأرادوا الانتقام منه، فألّفوا زجلا مشتركاً اتفقوا فيما بينهم على أن يقول كل منهم شطرة منه حتى لا يقع عقابٌ على واحدٍ منهم وينجو الآخران ، ثم يلقونه على مسامع الخديوي بوجود "المُهْر دار"..
ونفذوا هذه المؤامرة، ففي إحدى السهرات دخل الندماء الثلاثة وقالوا على التوالي:
كان عندي في وسط البلد........  ساقية بتسقي الجُلَّنـــارْ   !! 
دوَّرت فيها التور عِصِى ........      دورت فيها   "المهر" ..  دار !!
[: أي جعلت الثور يديرها فعصى ورفض ، فلما استبدل بالثور حصانا (= مهرا) قام بالمهمة ودار حول الساقية ] 
وأغرق الخديوي في الضحك، في حين غضب "المهر دار" وانتفض ، وثار ، واهتزت شواربه، وسأل الخديوي عن سبب هذا التعريض بوظيفته المرموقة (المهر دار) فشرح له الخديوي سبب الهجاء وهو قيامه بتعليق لوحة ( إنما نطعمكم لوجه الله ) على غرفة هؤلاء الندماء الظرفاء ، فعلى الفور أمر المهردار  بتغيير اللوحة المسيئة .

مساحة إعلانية