مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

الشاعر الدكتور مصطفى رجب يكتب:نهاية حرب أكتوبرفي شعر عبد الله البردوني

2026-10-08 04:26 AM  - 
الشاعر الدكتور مصطفى رجب يكتب:نهاية حرب أكتوبرفي شعر عبد الله البردوني
الشاعر الدكتور مصطفي رجب

لم يرض كثير من المثقفين العرب، والعسكريين الكبار ، عن الطريقة التي انتهت بها حرب أكتوبر 1973 ، حين أعلن الرئيس الراحل أنور السادات قبول وقف إطلاق النار لأنه كما قال : "لا يستطيع أن يحارب أمريكا" . وجاء تصريحه هذا في عنفوان نشوة النصر ، ورغبة الجيش المصري في الانطلاق والتقدم للسيطرة على كل أرض سيناء.
لكن المذكرات والوثائق التي نشرت بعد ربع قرن من تلك الحرب أظهرت أن الرئيس المصري لم يكن يتطلع لأكثر من عبور قناة السويس ، وتأمينها لإعادتها للعمل كممر مائي. وتحقيق "نصر محدود" يكفل بدء مفاوضات للسلام بين مصر وإسرائيل. وهو ما بدأ بالفعل برعاية أمريكية تولاها الدكتور هنري كيسنجر وزير خارجية الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون آنذاك وقد اتبع كسينجر سياسته التي عرفت به وعُرف بها أثناء قيادته الانسحاب الأميريكي من فيتنام وهي المسماة بسياسة " الخطوة خطوة"!!.
وفي خلال الأعوام التالية للحرب ، 1974-1975-1976 ، أجريت عدة جولات للفصل بين القوات المتحاربة . ولكن ظل قطاع كبير من أرض سيناء تحت السيطرة الصهيونية . وتتمركز به قوات عسكرية إسرائيلية بأسلحتها المتنوعة.
وفي ذكرى مرور 50 عاماً على وعد بلفور (نوفمبر 1917) قام السادات في نوفمبر 1977 بزيارة مشؤومة لإسرائيل ووجهت برفض شعبي ورسمي محلي وعربي. 
في ذلك العام 1977 كتب عبد الله البرودني قصيدته " أعنيات في انتظار المغني " المنشورة في ديوانه (زمان بلا نوعية ) . ولعل البردوني لجأ إلى ( الغناء) ليتخذ منه دثاراً يحتمي به من صدمة مفاجأة الاستسلام المفاجئ لأقوى قوة عربية ، فهو يبدأ قصيدته بقوله: 
لأزهى غرامٍ،لأعلى طِماعْ
نغني، نروع قوى الارتياعْ
لنفرق بين الندى والسراب
وبين الحقيقي وبين الخداعْ
لنشعر أن لدينا وجوهاً
أماميةً ترفض الارتجاعْ
ثم يوجه البردوني نداءه إلى "أم كلثوم" – التي كانت قد توفيت قبل عامين من تاريخ القصيدة- بوصفها رمزاً من رموز الإبداع المصرية الأصيلة وبوصفها في الوقت ذاته رمزاً من رموز الوحدة العربية ، وهو ينظر إلى موت أم كلثوم أثناء مفاوضات فصل القوات وما شابها من تراخ ممقوت، وتنازلات مهينة، وتجاهل لآراء العسكريين المتخصصين ذوي الخبرة والدراية. ينظر شاعرنا إلى موت أم كلثوم في ظل هذا المناخ على أنه نوه من الرفض : رفض الاستمرار في حياة عبثية . فيقول: 
أيا( أم كلثوم) أشهى التلاقي
بحضن المنايا، وأحلى الوداع
هناك انهيار يشيد الشموخ
فراق يؤدي لأهنا اجتماعْ
فقد أصبح الموت يا بنت مصرٍ
على قبضة الموت، أقوى امتناع
فمن لم يمت كي تجد الحياة
يمت مطمئناً لكي لا يباعْ
وينظر البردوني إلى حالة الانفتاح اللاهث على الغرب وانكباب الغرب المحموم على بعض الدول العربية . وبخاصة مصر، فيرى في هذا الانفتاح وذلك الانكباب صورة لحروب صليبية ترتدي ثياباً جديدة من التجارة والدبلوماسية التي قادها في أعقاب نصر أكتوبر73 وزير الخرجية الأميريكي المشهور بأنه صاحب سياسة " الخطوة خطوة " : هنري كيسنجر فيقول مخاطباً أم كلثوم:
ألا تنظرين زحوف الصليب
أتوا ثانياً كانقضاض السباعْ
يسوسون من نصّبوهم رؤوساً
يدوسون، من لقبوهم(رعاعْ)
هي( الخطوة الخطوة) استوطنت
إلى الداخل اجتازت المستطاعْ
ويوظف البردوني عبارات من أغنيات شهيرة لأم كلثوم سادت في عهود سابقة، ليتخذ منها وسيلة لإدانة العهد الحاضر، الذي لم يعد يناسبه إلا أغنيات حماسية تتفجر رفضاً ومقاومة، وتدين الانهزامية والضعف والاستسلام أمام الصهيوني الفاجر وزير دفاع الكيان آنذاك (موشي ديان) فيقول البردوني:
أ"ريم على القاع"، "رق الحبيب"
وقد أجذع الرعبُ في كل قاعْ؟
نريد معازفنا أيدياً
طوالاً، "فموشي" طويل الذراعْ
نريد قصائدنا عاصفاً
سيولاً،سيوفاً،تداوي الصداعْ
وما دام من فوق هاماتنا
جبان، فكل عدو شجاعْ
رؤانا وحبات أجفاننا
حصى تحت أقدام"جيش الدفاعْ"
فيا أم كلثوم غني رصاصاً
يمنّي صراعاً، ويشوي صراعْ
ومن المقابلة بين الغناء/الحب ، والغناء/الحرب ، ينتقل البردوني من توظيف أجواء الأغنية ، والموت، وأم كلثوم ، إلى إيقاظ رموز أخرى من مشاهير العرب، ليجعلهم شهوداً على سقوط المرحلة، وانهزامية القيادة وشيوع القهر والبطش مع المعارضين، وتلفيق التهم لهم كما لفقت تهمة سرقة الصواع لأخي يوسف عليه السلام. 
ألوفٌ كيوسف تحت السياط
بلا تهمةٍ باستراق"الصواعْ"
فيستدعي قيس بن الملوح. أشهر العشاق العرب، ليوقظ فيه نخوة الذكورة ، كي يدافع عن ليلاه/مصر التي تُستباح، وتُباع، وتسام الخسف على أيدي حاكم يشبهه بكافور الإخشيدي، مما أيقظ في وعيه الباطن ذكرى ( أحمد بن الحسين المتنبي) الذي فضح كافوراً وكشف ضعفه وتخاذله ، ثم ينتقل من القديم إلى الحديث فيتذكر شاعر النيل حافظ إبراهيم الذي بكى كثيراً على قهر وتعذيب الفلاحين في قرية دنشواي على أيدي قضاة خونة عملاء للمحتل الإنجليزي:
ويا (قيس) ،(ليلى) على كل سوقٍ
تموت سفاحاً، تُجَرُّ اقتلاعْ
ويا (أحمد بن الحسين) انتبه
ف(كافور) ما زال حياً مطاعْ
ويا (حافظ) اغضب،غدت(دنشواي)
بمصر العزيزة كل البقاعْ
وفي قصيدته (سباعية الغثيان الرابع) التي كتبها عبد الله البردوني في مارس 1977، ونشرت في الديوان نفسه الذي أشرت إليه، يعود شاعرنا إلى الاستنجاد بالمتنبي فيقول:
فيا (أحمد بن الحسين) انهمر
سوى الدمع ناداك غير الطللْ
أغار (الدمستق) بل وامتطى
إلى ظهرنا وجهنا وانتقلْ
وفي البيت الأول إشارة إلى قول المتنبي في مطلع إحدى قصائده الشهيرة :
أجاب دمعي. وما الداعي سوى طلل
دعا، فلباه، قبل الركب والإبل
فالبردوني يطلب من المتنبي أن يترك العنان لدموع عينيه أن تنهمر، لا استجابةً لذكرى الطلل، ولكن لعودة ( الدمستق) وهو قائد الروم في حروبهم ضد سيف الدولة الحمداني رمز القومية العربية أيام المتنبي. وقد كان المتنبي كثيراً ما يحذّر بطله وممدوحه المحبوب سيف الدولة من قوى الخيانة الكامنة وسط رجال فيقول :
وسوى الروم، خلف ظهرك رومٌ
فعلى أي جانبيك تميلُ؟
ويلتقط البردوني هذه الصورة بذكاء وحنكة، فيزاوج بين تيارات الخيانة القديمة والخيانة المعاصرة، ويقفز من حلب إلى مصر، ومن سيف الدولة إلى كافور الإخشيدي فيقول مخاطباً المتنبي:
سوى الروم رومٌ ، ورومٌ أتوا
كعهدك، رغم اختلاف العِللْ
أتعرفهم؟إنهم مَنْ رأيتَ
وإن غيّروا خيلهم والخولْ (العبيد)
و(عبد الخنى) نفس (عبد الخنى)
وإن(عصرن) الشكل واسم الحُللْ
و(كيسينجر)اليوم نخّاسه
لأن النخاسة صارت دُولْ!!
ويتحسر الشاعر البردوني على ما آل إليه حال العرب، في سياق هذه التنازلات، وفتح أسواق النخاسة على مصاريعها، يباع فيها المجد ، والتاريخ ، والشرف العربي القديم :
لماذا أسائل؟ إن الجواب
رهيبٌ، يحذّرني:لا تسلْ!
ودار (ابن لقمان) باعت صبيحاً
فجاء الذي منذ ألفٍ رحلْ
له ساعدٌ من حديد يمدُّ
لقتل الخزائي يداً من بصلْ
إن الشاعر هنا يستدعي صورة نصر عربي مبين حققه صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين، وقام شباب مصر بأسر (لويس التاسع) ملك فرنسا في (دار ابن لقمان) بمدينة المنصورة وظل بها حتى افتداه قومه بالمال، ولكن شعراء الدولة الأيوبية سجلوا هذا الموقف الخالد في أشعارهم التي تفيض بها كتب تاريخ تلك الحقبة مثل كتاب (الروضتين) لأبي شامة المقدسي، وغيره. وخلدوا في قصائدهم اسم حارس سجن 
(لويس التاسع) وهو (صبيح) فقال قائلهم محذراً الفرنجة من محاولة إعادة غزو مصر:
قل للفرنسيس إذا جئته :
دار (ابن لقمان) على حالها
والقيد باقٍ، والطواشي صبيحْ
وفي قصيدته ( مكتبيون . . والبطل والشاهد ) مايو 1977 يقول البردوني معرضا بأذيال الرئيس الأمريكي ( كارتر ) من الحكام الذين ختمت التبعية العمياء على قلوبهم وأصمت آذانهم وأعمت عيونهم فهم لا يستجيبون لنصح ناصح ، ولا يسمعون شكوى شاك ، فهم مكتفون بأذنابهم من رجال الأعمال النهابين الجاثمين كالوباء على صدر الوطن الجريح المنكوب بهم وبأذيالهم : 
مَنْ تنادي؟ احترف صمت القناعة
عندهم ضد النداءات ، مناعة!!
إنهم أرخص من أثوابهم
إنهم أكذب من دور الإذاعة
(كرتريون) ويبدون لمن
لا يرى ، أحفاد (عمرو بن قضاعة)
من تنادي؟ أي باب؟ لست من
هذه الطغمة ، أو تلك الجماعة
من ترجّى؟ لست ذا جيب ولا
ذيلِ جيبٍ، فبمن نرجو الشفاعة؟
لقد استطاع البردوني من خلال النماذج التي عرضناها ، ومن خلال جملة هنا وجملة هناك تنبث في قصائد أخرى كثيرة له ، أن يعري الفكر المتهافت ويفضح خوره وانبطاحه وهرولته إلى أحضان الصهيونية والأمركة وهو في الوقت نفسه يرتدي مسوحا عربية ويحمل أسماء عربية !! 

مساحة إعلانية