مساحة إعلانية
أرسلت الشمس قُبلتها القاسية فوق جبين الأرض، نشبت مُبكِرا أظفارها الحارقة في كل شيء، اشعر وكأننَّي نقُلت فجأة لقاعِ الجحيم، الأرض مكتظة بعشرات الآلات تصرخ بلا هوادة، جميعا تعمل في وشيشٍ مُربك يصم الآذان، تلف من حولنا أبخرة حارة، عوادم ثقيلة مُنفِّرة، خليط حريق مزعج من الزيوت والسولار، ضجيج الأوناش التي اعتلت الموقع تتناوب على جلبِ المؤن من بعيد، ودفعها للصوامع، أزيز عربات نقل الرمل والحصى والأسمنت والوقود، تتناوب على إلقاء حمولتها بإشارةٍ من الريس " صلاح الصعيدي"، يعلن عن نفسهِ بصراخهِ المتواصل فيمن حوله من طوابيرِ العمال في ثيابهم الزُّرق ، جميعهم يخشونه، يعرفون قدره لدى الإدارة وعند صاحب المصنع، الذي يثق فيه لأبعد مدى، يلقون إليه بتحياتهم، وابتسامة جامدة تفترش الشفاه المتحجرة.
مع تقَدمِ ساعات النهار يحاول الجميع التقاط أنفاسه المبهورة، تزحف الرياح ساخنة كحممِ اللّهب، تصفع الوجوه بشرهٍ، فتضيف شدة إلى شدة، وزهقا إلى زهق، ينشط الريس " صلاح" بزيهِ الكحلي باهت الأكتاف بين المكاتب، قد علقَ ابتسامة ساذجة على جانبيَّ فمه، وكأنَّه يريد إرضاء غروره، يحملُ بين يديهِ أوراقا، قد أسرف في صمتهِ وإطراقه، و" صلاح" لمن لا يعرفه خمسيني من صعيد مصر، طويل القامة، شابت هامته، وغزت التجاعيد وجهه الأسمر، فزادته ضمورا، لكنه ورغم يبوسته لا يزال قويا صَلبا، يتباهى في كلّ مكانٍ بتاريخِه المهني الحافل، كتفاخره بفحولتهِ مع زوجاته الثلاث، وعدله بينهن، شربَ الصَنعة شابا، تعلَّمها على يدِ رجلٍ "فلسطيني"، أحبه واطمئن إليه، فاستخلصه لنفسه، حتى اطلعه على أسرارها، يقول وقد غامَ وجهه بالنشوة:" يا رب لك الحمد ،ثلاثون عاما بين الرمال والأسمنت والأوناش بهذا الأفرول، مضبوط كالساعة ، يدي أطهر من ماء السماء".
يستقبلك مبنى الإدارة أول شيء، مربع أصفر اللون من طَابقٍ واحد، حزينا ،كساه التراب في بُؤسٍ مخيف، ينخفض عن الطريقِ في مُنحدرٍ صعب، تحتويه الوحشة، يُلاصق مختبر الخرسانة، ويجاور سكن العمال، الإدارة هو المكان الوحيد الذي يتردد عليه العمال بلا تَحفظٍ، حتى وإن أبدى " محمد مياه" عامل البوفيه "البنغالي" تَذمره ؛للأمانة؛ فكم الأوساخ العالقة بأحذيتهم الغليظة التي تدبون بها دون اكتراث مخيفة، يكتفي بنظرة من عَينٍ حَمئةٍ، ويغيب في دندنة طويلة داخل البوفيه، ما إن تدفع الباب حتى يستقبلك مجرور هواء بارد، تُشد الرِّحال للإدارة لأتفه الأسباب، بين جدران المبنى المثُلجة يضع البؤساء عن أنفسهم ما يثقلها من أوزار الحياة وإثمها، لا يحتاج منك الأمر سوى أن تدقق النظر في الوجوه الوافدة لتعرف حجم المعاناة، على الفور يطلق أحدهم صوت ارتياح، لحظة يمرر يده ينتح خيوط العرق من فوق جبهته في إعياء.
مبنى الإدارة عالمٌ فسيح، مشارب مختلفة، لأطياف من البشر برعوا في مصانعة الظروف، وملاينتها، أغلبهم يسير على هوى الركب بعد أن أذعنوا كارهين، تجمعهم المصلحة وأشياء أخرى من هذا القبيل، في يومي الأول اكتشفت حجم الصراع، نظراتهم المُوزّعة في تحفّظ لا يخل من دهاء ، تلك الأصباغ التي طليت بها الوجوه، كي تبتسم هذه الابتسامة الباردة التي تورّطوا فيها، لا يجدون في ذلك بأسا، يعبق الممر دخان السجائر، وهذا أسخف ما في الموضوع، حولت برودة التكييف الهواء المحبوس لرائحةٍ عَطنة تثُير الغثيان، إلى الآن لم تتقرر مهام عملي، اعتقد بأن تجربة ظريفة في طريقها إليَّ، ألمح المدير ونائبه إلى أنهما راهنا على لباقتي :" شخص موهوب ، كاتب معروف غزير الإنتاج، لديه خبرات عريضة"، ضحكت في صمت استهزء برهانهم المزعوم، هذا هو البلاء بعينه ، ماذا جنيت من وراء الموهبة والإبداع يا صديقي، جَمحت بي أفكاري بعيدا، تذكرتُ على الفورِ كلمات الإطراء التي امتدحني بها مسؤولي السابق على ملأٍ من الزملاء:" شخص مبدع مثلك، موهوب بالفطرة، مكسب كبير للمؤسسة، نحن بحاجة ماسة إليه"، لتدور من بعدها رحى حرب ضروس، مؤامرة دنيئة اقتلعتني من جذوري، وألقت بي -بلا جريرة -خارج الجدران .