مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

القوة الناعمة... عندما تسبق الثقافة السياسة بقلم: شحاته زكريا

2026-07-19 12:06 PM  - 
القوة الناعمة... عندما تسبق الثقافة السياسة بقلم: شحاته زكريا
شحاتة زكريا

قد تستطيع دولة أن تفرض وجودها بقوة اقتصادها أو بقدراتها العسكرية أو بنفوذها السياسي لكن التاريخ يثبت أن النفوذ الأكثر رسوخا هو ذلك الذي يدخل إلى العقول قبل أن يصل إلى موائد التفاوض. فالقوة الحقيقية لا تقاس فقط بما تملكه الدول من وسائل الردع وإنما أيضا بما تستطيع أن تزرعه من احترام وأن تبنيه من ثقة وأن تنشره من قيم وثقافة هنا تبدأ حكاية القوة الناعمة.. هذا المفهوم لم يعد ترفا فكريا أو عنوانا في كتب العلاقات الدولية بل أصبح أحد أهم أدوات التأثير في القرن الحادي والعشرين. فالدول لم تعد تتنافس فقط على الأسواق أو مناطق النفوذ وإنما تتنافس أيضا على الصورة الذهنية وعلى القدرة على إقناع الآخرين وعلى تصدير النموذج الذي يجعل العالم أكثر استعدادا للتعاون معها.. ولعل الفارق بين القوة الصلبة والقوة الناعمة يكمن في أن الأولى قد تدفع الآخرين إلى الاستجابة أما الثانية فتجعلهم يقتنعون بها. وبين الاستجابة المؤقتة والاقتناع الدائم تصنع الأمم مكانتها الحقيقية.. وليس مصادفة أن كثيرا من الدول الكبرى أولت اهتماما بالغا  بالثقافة والتعليم، والسينما، والجامعات، والبحث العلمي، والفنون، والإعلام، واللغة، باعتبارها أدوات لا تقل أهمية عن أدوات السياسة التقليدية. فالفيلم الذي يغير صورة شعب والجامعة التي تستقبل آلاف الطلاب من مختلف أنحاء العالم والكتاب الذي يترجم إلى عشرات اللغات قد يحقق تأثيرا يمتد لعقود بينما تنتهي نتائج كثير من الصراعات السياسية بانتهاء ظروفها.. ومن هنا فإن الثقافة ليست نشاطا هامشيا بل جزء من الأمن القومي والاستثمار في الفن ليس إنفاقا بلا عائد، بل استثمار في صورة الدولة ومكانتها. فالدول التي تمتلك روايتها الخاصة وتحسن تقديمها للعالم تكون أكثر قدرة على الدفاع عن مصالحها لأنها لا تكتفي بالحديث عن نفسها، بل تجعل الآخرين يتحدثون عنها بإيجابية.. وتاريخ مصر يقدم نموذجا واضحا لهذه الحقيقة. فعلى امتداد عقود لم يكن تأثيرها في محيطها العربي والإفريقي نابعا فقط من ثقلها السياسي، بل من حضورها الثقافي أيضا. الأغنية المصرية، والسينما، والدراما، والمسرح، والكتاب والأزهر الشريف، والجامعات، والصحافة، جميعها صنعت جسورا من التواصل ورسخت لمكانة تجاوزت حدود الجغرافيا.
ولم تكن القاهرة يوما مجرد عاصمة سياسية بل كانت عاصمة للفكر والإبداع، يقصدها الأدباء والعلماء والفنانون، ويخرج منها ما يشكل وجدان المنطقة العربية لعقود طويلة. وهذه المكانة لم تُفرض بقرار سياسي وإنما بنتها تراكمات من الإبداع والتعليم والانفتاح الثقافي.. واليوم.ومع التحولات الكبرى التي يشهدها العالم تزداد أهمية استعادة الدور الكامل للقوة الناعمة. فوسائل التأثير لم تعد تقف عند حدود الكتاب أو شاشة السينما بل امتدت إلى المنصات الرقمية وصناعة المحتوى، والابتكار، والاقتصاد الإبداعي، والجامعات الدولية والمراكز البحثية وحتى الرياضة والسياحة. لقد اتسعت ساحات التأثير وأصبح السباق يدور حول من يملك القدرة على الوصول إلى العقول قبل الوصول إلى المصالح.
غير أن القوة الناعمة لا تبنى بالشعارات وإنما بالإنتاج الحقيقي. فلا يمكن لدولة أن تدعو العالم إلى احترام ثقافتها إذا كانت لا تدعم مبدعيها ولا تستطيع أن تقدم نموذجا تعليميا مؤثرا إذا لم تستثمر في المعرفة ولا أن تصنع صورة إيجابية إذا غابت الجودة عن رسالتها الإعلامية والثقافية.
كما أن العلاقة بين القوة الناعمة والسياسة علاقة تكامل لا تنافس. فالسياسة تفتح الأبواب.لكن الثقافة هي التي تبقيها مفتوحة. والدبلوماسية قد تنجح في توقيع الاتفاقات أما الفنون والعلوم والتعليم فهي التي تمنح هذه الاتفاقات عمقا إنسانيا واستمرارا يتجاوز تغير الحكومات والظروف.
وفي عالم أصبح أكثر اتصالا لم تعد الصورة الذهنية تبنى في سنوات بل قد تتشكل في دقائق. ولهذا فإن كل عمل إبداعي ناجح وكل جامعة تحقق تميزا وكل باحث يقدم اكتشافا وكل رياضي يرفع علم بلاده في المحافل الدولية.يمثل إضافة حقيقية إلى رصيد الدولة من القوة الناعمة.. إن الأمم التي تفهم قيمة الثقافة لا تنظر إليها باعتبارها ترفا يمكن الاستغناء عنه في أوقات التحديات بل تعتبرها جزءا من أدوات المواجهة نفسها. فالثقافة الواعية تحارب التطرف وتعزز الانتماء وتفتح نوافذ الحوار وتمنح المجتمع قدرة أكبر على التماسك. وهي في الوقت ذاته تقدم للعالم صورة أكثر عمقا وصدقا عن هوية الدولة وقيمها...وفي التجربة المصرية تبدو الفرصة قائمة لتعزيز هذا المسار مستندة إلى رصيد حضاري وثقافي يمتد لآلاف السنين وإلى مؤسسات عريقة وإلى طاقات إبداعية قادرة على المنافسة إذا توافرت لها البيئة الداعمة. فالقوة الناعمة ليست ذكرى من الماضي بل مشروع للمستقبل يمكن أن يواكب التحولات العالمية ويعيد تقديم مصر بالصورة التي تستحقها.. وفي النهاية قد تمنح السياسة الدولة نفوذا وقد يمنحها الاقتصاد قوة، وقد توفر لها الجيوش حماية، لكن الثقافة وحدها هي التي تمنحها مكانة في وجدان الشعوب. ولهذا فإن الدول التي تستثمر في الإنسان، وفي المعرفة، وفي الفن، وفي التعليم، لا تبني حاضرها فقط بل تكتب لنفسها حضورًا طويلًا في ذاكرة التاريخ. فالقوة الناعمة لا تسبق السياسة فحسب بل كثيرا ما تمهد لها الطريق وتمنحها الشرعية وتبقى أثرها حيا حتى بعد أن تتغير خرائط المصالح وموازين القوى..

مساحة إعلانية